هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
لا تزالُ نتيجةُ الصراعِ الإسرائيليّ الداخليّ حول التّعديلات القضائيّة في طور التشكّل ويمكن أن تتطور بعدد من الطرق المختلفة. ومع ذلك، هناك العديد من السيناريوهات المحتملة التي قد توجّه مسار الأزمة.
إذ يُصِرّ الائتلاف الحاكم على تمرير التعديلات بالرغم من المعارضة الشعبية المتزايدة، مع ترجيح نجاحه في ذلك لأسباب ثلاثة أساسية:
- تمتعُ الائتلافِ الحاكم بالأغلبية في البرلمان والتي سوف تمكِّنه من تمرير التعديلات.
- استغلالُ الفرصةِ التاريخيّة في اجتماع اليمين الإسرائيلي والحركاتِ الدينية في حكومة واحدة تحت قيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وهي الفرصة التي يمكن ألا تتكررَ مجدّدًا خلال السنوات القادمة.
- رغبةُ نتنياهو في الإفلاتِ من المحاكمات في قضايا الفساد والرشوة؛ حيث يصف المتظاهرين بالفوضويّين ويصنِّف المعركةَ معهم بصورة موازية لبرنامج إيران النووي و"العنف الفلسطيني"، مطالبًا قائد الجيش بقمع العصيان في صفوفه وقائد الشرطة بقمع المتظاهرين الذين يغلقون الطرق.
وفي حال نجح الائتلاف في تمرير التعديلات القضائية ستكون لها تبعاتٌ سياسيّةٌ واسعة، أهمها: إحداث تغيير جذري في نظام الحكم مع سيطرة كاملة للمشرّعين ووزراء الحكومة والذي سيكون نطاق عملهم خارج تأثير المحكمة العليا. وفي هذه الحالة، ستتمكن الأغلبية في الكنيست من تشريع قوانين الأساس أو تعديلها أو إلغائها من خلال الإجراءات التشريعية البسيطة. كما سيكون لذلك انعكاسات مباشرة على الفلسطينيين، حيث ستمهّد التعديلات القضائية على الأرجح إلى سنّ المزيد من التّشريعات التّمييزية والعنصريّة ضد فلسطينيّي عام 1948 وتسهِّل ضمّ المزيد من أراضي الضفة الغربية بهدف التوسع في الاستيطان.
أما في حال لم يتمكن الائتلاف الحاكم من تمرير التعديلات المقترحة، سيُنظرُ إلى ذلك باعتباره انتصارًا للمعارضة وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى تفكّك الائتلاف الحاكم، خصوصًا أن العديد من أطراف الائتلاف ينظر إلى التعديلات الجوهرية للقضاء باعتبارها مسألة هوية حيويّة لوجودها. فالعديد من أطراف الائتلاف يعتبرون أي تغيير في الخطّة الأصلية استسلامًا للمعارضة وخيانة للناخبين، الأمر الذي سيُدخل إسرائيل مجدّدًا في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات، حيث تمّ إجراء خمس جولات من الانتخابات العامّة منذ العام 2019.
بين هذا وذاك، لا تُظهِر الحكومة أو المعارضة حتى الآن استعدادًا للتوصل إلى حلول وسطى قد تتضمن تعديلًا على التعديلات أو "الإصلاحات" المقترحة أو إدخال ضمانات إضافية لحماية استقلال القضاء.
وفي حال نجحت الحكومة والمعارضة في التّوصل إلى حلٍ وسط يمكن أن يخفف ذلك من التوترات الحالية ولكنه سيُبقي، وربما سيزيد، من حدّة التوترات السياسية والمجتمعية. ذلك أن الائتلاف الحاكم سيعمل على التّوسع في سياسات الاستيطان وضمّ المزيد من الأراضي الفلسطينية في ظل مخطّطات متّفق عليها بين أعضاء الائتلاف للتّوسع في سرقة الأراضي الفلسطينية، وبناء المستوطنات عليها، ومزيد من القمع للشعب الفلسطيني.
أمام ذلك كلّه، لم تتدخل الولايات المتّحدة وحلفاء إسرائيل حتى الآن في تفاصيل التعديلات القضائية أو من خلال الضغط على الأطراف. فموقف الولايات المتّحدة ودول أوروبية عديدة لا يزال يحثّ الأطراف على تأمين توافق واسع لأي تعديلات قضائية مع حفظ استقلالية القضاء. ومع ذلك، ربما يدفع الاستقطاب الإسرائيلي الدّاخلي المتزايد وتصعيد العنف ضدّ الفلسطينيين الولايات المتّحدة إلى زيادة نشاطها السياسي الهادف لحل الأزمة والضغط على الائتلاف الحاكم وذلك من أجل تجنّب صدام مباشر مع حكومة نتنياهو، وبالتّالي تهديد العلاقات الإستراتيجية ما بين الطرفين. وربما تؤدّي التّصريحات وأفعال وزراء الائتلاف المتطرفين إلى نفاد صبر إدارة الرئيس الأميركي جوزف بايدن التي ترغب في التركيز على أولويات أكثر إلحاحًا، خصوصًا الحرب الروسية-الأوكرانية ومشروع إيران النووي وتطويق الصين.
في المحصّلة، من المرجّح أن يستمر الاستقطاب المجتمعي بين الإسرائيليّين في المرحلة المقبلة سواء تمّ تمرير التعديلات أو إلغاؤها أو إرجاؤها لمدة شهرين. وسيؤدي تمرير "الإصلاحات القضائية" على الأرجح إلى زيادة الشّرخ في جسم القضاء، والجيش، والمجتمع، ويبقي الصراع مفتوحًا ما بين الحكومة والمعارضة ويزيد من تآكل ثقة الإسرائيليين في مؤسّسات الدّولة. ومن المرجّح كذلك أن ينتقل الاستقطاب إلى يهود العالم ويزيد من الانقسامات بينهم. وقد تؤدّي الاحتجاجات العامّة إلى اضطرابات أوسع وربما تطلق شرارة العنف الداخلي، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من المعارضين يشعرون بأن مطالبهم لا تُسمع. قد يكون لهذا تداعيات كبيرة على استقرار وأمن إسرائيل، ويمكن أن يزيد من تفكّك التّماسك المجتمعي ويؤدّي في نهاية المطاف إلى حربٍ أهلية.

