كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
غادرَ وفدُ صندوق النّقد الدّولي لبنان مُتشائمًا من مستقبلِهِ الماليّ والاقتصاديّ، وأعلنَ رئيسُ بَعثتِهِ أرنستو راميريز، "أنّ لبنان في وضعٍ خطيرٍ للغاية، وتقدّم الإصلاحات بطيء بالنّظر إلى درجة تعقيد الموقف".
ورسمَ الصّندوق صورةً سوداويّةً، عن مصير لبنان، بعد عام على متابعة الوضع المالي والاقتصادي، بناءً لاتّفاق مع الحكومة، التي استعانَت به، لإخراج لبنان من أزمته، كما حصل في دولٍ أخرى، تدخّل فيها الصّندوق، لإنقاذِها من أزماتٍ وقعت فيها، وكان آخرها فنزويلا ومصر والأرجنتين، حيث يقدّم للدّول المتعثّرة في اقتصادها، ما يسمّى "وصفات الصّندوق"، كتشبيهٍ للطّبيب الذي يصفُ الدّواء لمريضه فيُعطيه ما يصطلحُ على تسميَتِه ب " الرشاتا" كي يتعافى من مرضِهِ، وهذا ما تخضع له الدّول المريضة، فيضع لها صندوق النّقد، وصفات هي أشبه بشروط عليها أن تنفّذها لتتعافى، وتتقدّم دول من الصّندوق بخطّة تعافٍ يوافقُ عليها او يعدّلها ويرفضها.
وتعاطى صندوق النّقد مع لبنان، كمريضٍ يجب أن يتعافى من مرضه، طالبًا من الحكومة تحديد الخسائر التي بلغَت حوالي ٧٠ مليار دولار، في الحكومة الحاليّة، و٨٣ مليار دولار، في الحكومة التي سبقتها، وترأّسَها حسان دياب.
وبعد تحديد الخسائر، تبدأ عمليّة معالجة ملفّ الكهرباء التي تكبّد الخزينة سنويًّا نحو ملياري دولار، وطلبَ الصّندوق من الحكومة رفع الدّعم عن الكهرباء، وتشكيل الهيئة النّاظمة لهذا القطاع، فلبّت الشّرط الأوّل ورفعت الأسعار، ممّا حمّل المواطن أعباء رسوم تفوق دخله الشّهري، حيث لجأ المواطنون إلى قطع اشتراكهم مع مؤسّسة كهرباء لبنان، ونزع السّاعات، لأنّ الفاتورة عالية جدًّا، تفوق تكلفة اشتراك مولّد الكهرباء، وبهذا تكون الحكومة التي وعدت برفع ساعات التّغذية لمدّة ٤ ساعات يوميًّا، وهي لفترة محدودة، سيعود المواطن ليقع في أزمة انقطاع الكهرباء، حيث غاب بناء معامل جديدة لإنتاج الطّاقة الكهربائيّة، والتي كان يجب أن تنشأ منذ سنوات بعيدة، لكن مافيا المولدات والمازوت والفيول، هي التي تقف حجر عثرة في ذلك، وقد تقدّمت دول بعروضٍ لإنتاج الكهرباء من إيران والصين وألمانيا، لكن الحكومات المُتعاقبة لم تنجح في ذلك، لأنّ الخلافات بين أصحاب النّفوذ السّياسي حول تلزيم الشّركات، كانت تحول دون الوصول إلى حلٍّ جذريٍّ لأزمة الكهرباء.
وكما فشلت الحكومات المُتعاقبة في حلّ أزمة الكهرباء، فإنّها أيضًا لم تتقدّم لإصلاح القطاع العام الذي انهارَ خلال السّنوات الثّلاث الأخيرة، لا سيّما في العام ٢٠٢٢، وما زال مستمرًّا في العام الحالي، مع ما سبّبه من شللٍ في الإدارات العامّة والقضاء، بسبب الإضرابات، وعدم الحضور إلى مراكز العمل، وبسبب تدنّي الأجور والرّواتب، وارتفاع كلفة النّقل، إذ كان المطلوب من صندوق النّقد، أن تقوم الحكومة بإجراء إصلاح في الإدارة العامة، وترشيد الإنفاق، بتقليص الحوافز والمنح، التي كانت تُعطى للموظّفين، ووقف التّوظيف، وقد بلغ عديد القطاع العام بشقّيه المدنيّ والعسكريّ نحو ٣٥٠ ألف موظّف ومتقاعد، تبلغ كلفتهم السّنويّة ما بين ٦ و ٧ مليار دولار.
ولم تستجب الحكومة لإصلاح الماليّة العامّة، لجهة التّهرّب الضّريبي، كما في ضبط الهدر، ووقف الفساد، وتفصيل عمل الهيئات الرّقابية في التّفتيش المركزي وديوان المحاسبة، إضافة إلى القضاء.
فقد أخفق لبنان في تحقيق الإصلاحات المطلوبة منه، سواء من الحكومة ومن مجلس النواب، حيث لم يقرّ بعد، موضوع هيكلة المصارف، وإعادة الثّقة إلى قطاعٍ كان الأنجح في لبنان، وكذلك مسألة المودعين، والديون المترتّبة من المصارف على الدّولة عبر مصرف لبنان.
ولم يتأخّر نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، والمكلّف بملفّ التّفاوض مع صندوق النّقد، ومتابعة خطّة التّعافي المالي معه، في إعلان مواقف تحمّل الحكومة ومؤسّسات رسميّة أخرى، التّأخير في الاستجابة مع طروحات صندوق النّقد، إذ اتّهم الشامي الحكومة ومجلس النواب بالمُراوغة، التي إذا استمرّت في هدر الوقت، فإنّ اللّبنانيين ذاهبون إلى أوضاع أكثر مأساويّة وظروف لا تُحمد عقباها.
والوزير الشامي المعروف بصمته، فإنّه رفع الصّوت محذّرًا ممّا ينتظر اللّبنانيين من مآسٍ وأزمات، إذا ما سارع المسؤولون إلى إقرار الإصلاحات، وإذا استمرّ نهج الإنفاق دون موارد ماليّة، فإنّ لبنان ذاهبٌ إلى تضخّمٍ مُفرطٍ كما حدث في ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وفي فنزويلا حاليًّا، وإنّ تعثّر الإصلاحات يزيدُ من صعوبة الإجراءات وتكلفتها.
وجرسُ الإنذار الذي دقّه الشامي، تزامن مع تحذير صندوق النّقد الدّولي الذي لمسَ عدم تجاوب لبنان مع الإصلاحات، التي أكّد الشامي بأنّ الحكومة لم تقم عمليًّا بواجباتها تجاه الصّندوق، وكأنّها تريد توجيه رسالة، بأنّها ستنسحب منه، حيث أنّ فريقًا لبنانيًّا، لا يثق بسياسته، لأنّه يخدم أهدافًا أميركية.

