كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
لم يتعلّم رئيسُ حزب "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع من التّاريخ، الّذي لا يقرأه إلّا من الجانبِ الّذي يُلبّي رغباته، التي ما زالت " كانتونية" ، والّتي حاولَ مؤسّس القوّات بشير الجميل، أن يُقيم "الدولة المسيحيّة" على مساحة تمتدّ من " جسر كفرشيما إلى المدفون"، وهي قامت فعليًّا، لكن بعد حروب ومجازر ارتكبتها "القوات اللبنانية" ضدّ من كان يرفض هذه الدويلة، فكانت مجزرة إهدن في ١٣ حزيران ١٩٧٨، والتي قُتل فيها النائب والوزير السّابق طوني فرنجية وعائلته وأنصاره، وهو ابن سليمان فرنجية، ووالد سليمان الحفيد رئيس "تيّار المردة".
فالانفصالُ والتّقسيم هما من مشاريع الانعزاليّة اللبنانيّة الّتي كان يُمثّلها حزبُ الكتائبِ برئاسة بيار الجميل، والذي ارتبطَ بمشاريع صهيونيّة تحت عنوان "تحالف الأقلّيات" فكانت لقاءات مع مسؤولين في الحركة الصهيونية، قبل أن تغتصب إسرائيل فلسطين عام ١٩٤٨، وهذا ما تكشفه الوثائق والمراسلات والوقائع، والتي تمَّ التّعبير عنها في الغزو الصهيوني للبنان في ٥ حزيران ١٩٨٢، ودام حتّى ٢٥ أيار ٢٠٠٠، إذ كشفت "أسرار حرب لبنان" التي أصدرها الكاتب آلان مينارغ في كتاب، عن التّخطيط المشترك الإسرائيلي مع قادة "الجبهة اللّبنانيّة" وتحديدًا "القوات اللبنانيّة" برئاسة بشير الجميل لغزو لبنان، وترئيس بشير على الجمهوريّة بمساحة ١٠٤٥٢كيلومتر مربع، وإقامة صلح وسلام مع "الدّولة العبريّة"، لكن هذا المشروع "لصهينة لبنان" سقط مع اغتيال منفّذه بشير، ثمّ مع شقيقه أمين الجميل الّذي خلفه في رئاسة الجمهوريّة، ولم يتمكّن من توقيع اتفاق مع العدو الإسرائيلي الذي سمّي ب" اتفاق ١٧ أيار" فسقط، وانهارَ معه حكم الكتائب، الّتي شهدَت صراعاً داخليًّا، ومعارك مع الجيش اللّبناني، إلى أن خضعت لجعجع بعد تصفية خصومه في القوات وأبرزهم إيلي حبيقة الذي أراد أن يُوقف الحرب عبر "الاتفاق الثّلاثي" الّذي رعته سوريا، بين "حركة أمل"و" الحزب التّقدمي الاشتراكي" و"القوّات اللبنانية" الّتي دفعَ رئيسها ومُحازبوها ثمناً لتوجّههم الوفاقي.
وتعود "القوّات اللّبنانية" إلى جذورها التّقسيميّة، فعندما لا يكون لبنان خاضعًا لها، فهي تنادي بالانفصال، كما فعل بشير الذي رفضَ ميثاقَ عام ١٩٤٣، المستند إلى صيغة "العيش المشترك"، فعندما وقف الوطنيّون والمسلمون مع المقاومة الفلسطينية، اختارت الكتائب التي وُلدت القوات من رَحمِها، مع أعضاء "الجبهة اللّبنانيّة" التّقسيم.
وما يطرحُه جعجع اليوم ومعه سامي الجميل وغيرهما من عناوين كمثل لكم لبنانكم ولنا لبناننا، أو لكم جمهوريّتكم ولنا جمهوريّتنا، إضافة إلى الدّعوات من جهات في السّاحة المسيحيّة " الفدرالية"، فإنّ كلّ ذلك يُعيد مشروع التّقسيم للبنان، الذي كلّف لبنان ١٥ عاماً من الحرب الأهليّة، والغزوات والاعتداءات الإسرائيلية، والتّدخّلات الخارجيّة، إلى أن أوقفها "اتفاق الطّائف"، بعد أن تلقّى هذا المشروع هزيمة عسكريّة ثمّ سياسيّة، وهو ما تحاول "القوات اللبنانية " العودة إليه، أيّ الدّعوة إلى تجديد الحرب الأهليّة، لأنّ التّركيبة السّياسيّة والطّائفيّة القائمة، لم تعد لها صلاحيّات كما يؤكّد جعجع الّذي يرفع من حدّة الخطاب التّحريضيّ، مثل أن يقول، بأنّ "المقاومة المسيحيّة" كما منعت الجيش السّوريّ من الدُخول إلى "زحلة"، فإنّها ستمنعُ مرشّح محور المُمانعة من الوصول إلى القصر الجمهوريّ، وهو بذلك يؤكّد على الدّعوة للانفصال، عبر خطاب صُنع في الثلاثينات، وجرت محاولة لتطبيقه في الثّمانينات وفشل.

