جاد حكيم - خاصّ الأفضل نيوز
براداتٌ فارغةٌ، وبطونٌ خاوية، وأحلامٌ تتلاشى وتتبددُ في غياهِب الوطن.. إلى أن باتَ الفقرُ في لبنان تحصيلَ حاصل.. هذا هو الوضع اللّبناني حاليًا إذ إنّ القضيّة باتت من أهمِ المشاكل التي تواجهُ اللبنانيّ بشكلٍ يوميّ. فعلى هذا المنوال يُكافح اللّبنانيّ بحياتِه اليّوميّة، إذ إنّ معدّل الحدّ الأدنى من الأجور لم يعدْ هو المعيار للتّفريق ما بين الفقير والغنيّ، لا بل على العكس تمامًا، حيثُ إنَّ الطّبقات الاجتماعيّة في لبنان وبما يقارب الـ 80% منها باتت تجتمعُ ضمنَ بقعةٍ واحدةٍ ألا وهي الفقر، ثم الفقر، ثم الفقر…
الطّبقةُ الفقيرةُ والمتوسطة اتّحدتا
هذا ما يتجلى به الوضع الراهن، إذ إنَّ الطّبقة المتوسطة والتي كانت تُعتبر "دينامو" الاقتصاد اللّبنانيّ انعدمت بنسبة تفوق 85% في لبنان، وسط تردّي قيمة العملة اللّبنانيّة مقابل الدولار الأميركيّ، ما جعلَ هذه الطّبقة مضطرةً إلى الأصطفاف مع الطّبقة الفقيرة.
هشام الخشن هو واحدٌ من المتأثرين بهذه الأزمة، إذ يروي لموقعنا "الأفضل نيوز" بأنَّ حياتَهُ انقلبت رأسًا على عقب منذ عام 2020.. هشام والذي كان يعملُ كمندوبٍ للمبيعات أشارَ إلى أنّه كان يتقاضى 1500$ قبل العام 2019، حيث كان باستطاعته أن يؤمّن حياةً كريمةً لوالديه المسؤول عنهما، بالإضافة إلى ابنه الصّغير وزوجته، إلى حدّ أن تغيرت الأوضاع، وانقلبت اللّيرة، لتنقلب حياة هشام معها، حيث انخفضت قيمة عمولته إلى أكثر من 80%، لتصبح أعمالُه موضع الانعدام، مضطرًا للبحث عن أعمالٍ أُخرى تتزامنُ مع انتهاء دوامه الصّباحيّ.
ليس هشام هو الوحيد، إذ إنَّ الأرقام التّي أصدرتها الدراسات المتتاليّة تشيرُ إلى أنّ الوضع في لبنان قد قطع "المأساة" بأشواطٍ وأشواط، إذ تشير مصادر اقتصاديّة مطّلعة لموقعنا إلى أنّ الفقر في لبنان كان يشبه حالة "البطالة المقنعة" اقتصاديًا قبل الأزمة، إذ إنّ ما يقارب 53% من الشّعب اللّبنانيّ كانوا فعليًا يُعانون من الفقرِ إلى حدّ العام 2018، وذلك يعود إلى الإجراءات الاقتصاديّة المتتالية التي لا طعم لها، والتي توازيًا كلّفت الدولة مليارات من الدولار من دون أي نتيجة فاعلة، بوقت كان من الممكن لهذه المليارات أن تلبّي رؤية اقتصادية تمتد لعشرِ سنواتٍ أقلّها.
أزمة أسعار خلال رمضان
"الأسعار نار…" هذا هو لسانُ حالِ المُستهلكين، إذ تضرّرت حياةُ معظم اللّبنانيين في شهر رمضان المبارك بسبب الأزمة الاقتصاديّة الحاليّة التي وطأت بثقلها على أرجاء البلاد، وأثّرت على الأمن الغذائيّ والحياة اليوميّة بشكلٍ كبيرٍ ليُحرموا من بهجة الشّهر الفضيل. وبالنّظر إلى الوضعِ الراهنِ، اضطر العديد من اللّبنانيين إلى تغيير عاداتهم وطرق عيشهم، لمواجهة الواقع الصّعب الذي يتسم بارتفاع الأسعار بشكلٍ مستمرٍ، مما أدى إلى صعوبةِ شراءِ المواد الغذائيّة والاستهلاكيّة الضّروريّة. وللتأقلم مع هذا الواقع الصّعب، اضّطر العديد من اللّبنانيين إلى تغيير نمط حياتهم وتحديد أولوياتهم في الإنفاق والاستهلاك، للحفاظ على استدامة أسلوب حياتهم.
محاربة وهجرة
ما يقارب الـ12 ألف أستاذ، وعشرات الآلاف من الأطباء، والمهندسين، والآلاف من الممرضين، حاربوا وحاربوا،إلا أنّهم استسلموا أمام الواقع اللبنانيّ، ليسجّل لبنان واحدةً من أكبر حركات الهجرة الدماغية في تاريخه.. فما بين الصّمود، والعمل من دون أي مردود محترم، لم يكترث أحدٌ، وقرّروا خوض غمار الهجرة رغم المصاعب التي سيواجهونها، آخذين بالإعتبار الشهيّة العربيّة على الأدمغة اللّبنانيّة التّى خِيطَ وصِيغَ لها عقودًا بمئات الألاف فقط لأجل الاستفادة من الخبرات الاستثنائيّة.
"دُنيز" واحدةٌ من المعلمات اللّواتي خضن غمار التّجربة، إذ إن لدنيز مسؤوليّة كبيرة تتمثل بإعالة ابنتها والتّي هي مريضة غسيل الكلى، بعد طلاقها من زوجها. تقول "دنيز" بأنَّ معاشها الشّهريّ المتمثلِ بالعملِ كأستاذةٍ للّغةِ الأجنبيّة لم يكن يتعدى 65$، حيث كانت تضطر للعملِ بإعطاءِ الدروسِ الخصوصيّة لصفوف الشّهادات لتُؤمن بدل علاج ابنتها وتمرير الشهر بأقل الخسائر الممكنة.. تطوّرت الأمورُ داخلَ المستشفيات وباتَ الدفعُ يتمُّ بالفريش، لتُقرّر "دنيز" أن تستغل طلبات الهجرة للمعلمين إلى إحدى الدول الخليجيّة بعد أن باعت صيغتها لتؤمن علاج ابنتها، وسط عملية ذلّ كبيرة خاضت غمارها بين المراكز والمستشفيات.
تُشدّد "دنيز" على أنَّ ما بعد الهجرة ليس كما قبلها، إذ تشير إلى أنَّ الدول الخليجية تعلمُ تمامًا الإنتاجيّة التّي يستطيعُ أن يقدّمها اللّبناني، وهذا ما أعطاني "دفشة" لأطلب أجرًا مُحترمًا، وهذا ما حصل، إذ تؤكّد على أنَّ حياتَها مع ابنتِها الآن هي أفضل بكثيرٍ من الذّل في لبنان.
هجرة دنيز أتاحت الفرصة لـتسعِ معلمات ليأخذن الخطوة نفسها، إذ استطاعت دُنيز أن تؤّمن لهن عقودَ عملٍ بمدرستها، بعد أن تقدمن بطلبات هجرة، أو حتى فرص غير مدفوعة الأجر، ليخرجوا من لبنان بأيّ طريقة.
الفقراء هم كبش المحرقة
تؤكّد الدراسات المتعددة على أن الفقراء في لبنان يعانون حرفيًا، إذ إن هؤلاء لم يعد لديهم أي سبيل لاستكمال معركة المعاناة.. أساليب كثيرة يلجأ إليها هؤلاء لتقطيع المرحلة سواء أكانت هذه الأساليب قانونيّة أو غير قانونيّة.. فالوضع لم يعدْ يُحتمل، خاصةً وأنَّ هؤلاء كانوا يذوقون الأمرّين سواء ما قبل الأزمة أو ما بعدها. فما بين الفقر، والغلاء، وانهيار اللّيرة لم يعد لهؤلاء أي حلول تنجع بهم، خصوصًا أن شبه غياب تام للمؤسسات الرسميّة والمسؤولين على اختلاف سياساتهم، وتيّاراتهم يُسجّل خلال أزمةٍ لبنانيّة سياسيّة، دستوريّة، تشريعيّة، لا مثيل لها أبدًا.
ووسط كلّ هذا، تؤكّد مصادر أمنيّة رفيعة المستوى لموقعنا "الأفضل نيوز" بأنَّ الأمور لا تسير بالاتجاه الصّحيح، فما يُعانيه اللّبنانيّ من أزماتٍ، سيوّلد انفجارًا وعصيانًا لن يكون بالسلميّ أبدًا، فلن يكون هناك ما سيمنعُ ثورةَ أبٍ يسعى وراء علاج أولاده، أو إسكات جوعهم، أو تأمين دوائهم، ويضيف المصدر إلى أن هذه المرة ستكون الثورة هي ثورةُ البطونِ الخاويّة ولن تتشابه أبدًا مع أيّة حركات أو ثورات سلميّة انقضت…

