د. يوسف الصميلي - خاص الأفضل نيوز
− يعاني الكيان الصّهيوني عقدة نقص حيال الزّمن الّذي يقدّره مؤرّخون صهيانة لعمر الكيان الاستيطاني اعتمادًا على التّاريخ السّابق بزعمهم لعمر الدولة اليهوديّة، ويربطون هذا الزّمن بالمدّة التي استمرّ فيها الصّليبيّون يحتلّون بيت المقدس وفلسطين، والمقدّر بثمانين عامًاحين انتصر صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين فحرّر الأرض المباركة حول المسجد الأقصى، التي تشمل كلّ فلسطين وفق المفهوم الحديث للدّولة بعد الحرب العالميّة الثّانية، وربّما قبلها.
− ثمانون عاماً مقدّرةٌ لزوال الكيان الصّهيوني مضى منها 75 عاماً، بدأ القلق معها يُساور المستوطنين الصّهاينة من أنّهم قريبًا سيُطاح بمشروعهم الاستعماري البغيض الباقي وحده على وجه الكرة الأرضيّة بمصل عالميّ دائم من الغرب، باعتبار هذا الكيان انوجد لضرب المشروع العربي النّهضوي الذي درسَ الغرب بمؤرّخيه ومُستشرقيه وجغرافيّيه وعلماء الآثار لديه وكلّ صاحب علم ومعرفة، العوامل الكثيرةالكامنة لإحيائه من جديد مُتّخذين من قوّة الدّفع التي يمنحها الإسلام لهذا المشروع حجّة ثابتة لجعله خامداً، لأنّهم استشعروا في العصرالحديث مدى خطورته حين اكتشفه جمال عبد الناصر، واستعان به على مواجهة الغرب من أجل الحرّيّة والتّحریر، إلى درجة أنّ بعض مؤسّسي الكيان المُصطنع مثل بن غوريون وغولدامائير وغيرهما، ظلّ عبد الناصر حتّی بعد موته كابوسًا مؤرقًا لكيانهم ومازال.
− نظرة الآن على الدّاخل الصّهيوني نرى انقسامًا عموديًّا حادًّا في هذا المُجتمع المُصطنع، إذ هي المرّة الأولى التي يتمّ اتخاذ إجراءاتبنيويّة تضرب أساس وجود الكيان بمفهوم مؤسّسيه فبن غوريون مثلاً كان يعرف بأنّ اليهوديّة وسيلة لاستقدام يهود العالم إلى الكيان، لكنّهليكون ضمن منظومة الدولة العصريّة، حرص على أن يكون القانون أقرب إلى الدول الديمقراطية، مُتمثّلاً بكلّ من فرنسا وبريطانيا وأميركا،وتجلّى ذلك في اتخاذ النّموذج البريطاني قاعدة للسّلطة حيث النّظام برلماني تقوده أكثريّة مُنتخبة، يشكّل زعيمها الوزارة، مع رئيس دولةرمزي تشبه سلطاته سلطات ملك بريطانيا، وواجه بن غوريون التّطرّف الدّينيّ بالديمقراطية وظلّ مُمسكاً باللّعبة حتّى حرب ۱۹۷۳ التيأضعفت حزب العمل الذي أسّسه، فأصبح يتداول السّلطة مع اليمين المتطرّف بقيادة مناحيم بيغين، ثمّ تدريجيًّا انفرد هذا اليمين بالسّلطة لسنوات طويلة وصلت إلى أن يتولّی السّلطة فيه يمينيّ أكثر تطرّفًا ممّن سبقوه هو نتانياهو الذي كوَّن حكومته الجديدة من أصحاب الذقون واللّحى الدّينيّين الذين يعتبرون منهجهم السّلطوي لا يكتمل إلا بإعادة بناء الهيكل على أنقاض الأقصى، إنّهم ليس لهم شأن بالسّياسةالمعاصرة ولا بالدولة الحديثة، لذلك استجاب لهم نتانياهو بالعمل على ضرب المحكمة العليا، التي تشكّلت كسلطة ثالثة لها كامل استقلاليّتهاعن السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة، وهي السّلطة التي حكمت بالسّجن على رئيس وزراء سابق هو إيهود أولمرت، وهي نفسها التي أصدرتحكماً ضدّ أحد رؤساء الدولة وهو إسحاق نافون، وهي لديها ملفّ دسم لملاحقة نتانياهو.
− انقسم المجتمع الصّهيوني بُنيويًّا بين مؤيّد لإجراءات الحكومة ضدّ المحكمة العليا وبين معارض لها، وكان واضحًا من المظاهرات أنّ كفّة الرافضين أرجح من كفّة المؤيّدين، لذلك التفت نتانياهو إلى الأسطوانة القديمة الجديدة وهي إطلاق يد الأمن والمستوطنين والجيش ضدّالشّعب الفلسطيني في نابلس والقدس وجنين وكلّ الأرض المحتلة، ارتفع منسوب التّحدّي الدّاخلي، ازدادت عمليّات المقاومة الفلسطينيّةالدّاخلية بازدياد التّغوّل الصّهيوني كان آخرهما حالة الدّهس في قلب تل أبيب.
− إذاً، الكيان الصّهيوني زادَ لديه القلق الوجوديّ، وهذا بحدّ ذاته محفّز على ازدياد دور المُقاومة الدّاخلية حتّى بالعين التي تقاومُ المخرز.

