هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز
لم يكن عابرًا ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية عن مسؤولي استخبارات غربية قالوا إن الحرس الإيراني كان يستعدّ لتنفيذ هجمات عبر طائرات بدون طيار تستهدف سفنًا تجارية إسرائيلية تبحر في مياه الخليج وبحر العرب.
لكنَّ الموضوع لا يتوقف عند حدود السفن الإسرائيلية فما يمرّ من مياه الخليج تحديدًا وبقية مياه العرب عمومًا أكثر من ذلك بكثير، ذلك أنَّ هناك ناقلات نفط عملاقة وسفنًا تجارية ضخمة وحتى بوارج حربية كثيرة. ولعل إيران تجرؤ أو حتى تفكر مجرد تفكير بهذا الأمر يمثل خطرًا على ما يمكن اعتباره على الجميع.
وبالعودة إلى ما نشرته الصحيفة الأميركية يشير إلى أنَّ الأسطول البحري الأميركي الخامس، والذي يتخذ من البحرين مقرًّا له، حذّر الوزارة والمؤسسة الإسرائيلية من تهديد وشيك من إيران إزاء السفن الإسرائيلية، مشيرًا إلى أنَّ الحرس الثوري الإيراني بوضع يسمح له بالهجوم، خصوصًا أنَّ طهران تبحث عن ردٍّ على الهجمات الإسرائيلية التي تستهدفها على الأراضي السورية وباتت بحاجة ماسة لهذا الرد على أمل أن تتخلى اسرائيل عن تنفيذ تلك الهجمات التي غالبًا ما تطال مواقع إيرانية في سوريا أو مقاتلين لها متواجدين على الأراضي السورية. لذا كانت تبحث عن فرصة للرد.
لكن ما جرى لاحقًا من تطور للأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس، فضلاً عن الصواريخ التي تمّ إطلاقها من جنوب لبنان باتجاه البلدات والقرى الإسرائيلية الشمالية ربما كانا بمثابة المسكن الذي يحفظ ماء وجه الإيرانيين للقول أنهم ردّوا على الضربات الإسرائيلية التي يتلقونها باستمرار.
بيد أنَّ ذلك كلّه لم يسهم بوقف معركة الردود هذه، حتى وإن جنحت إسرائيل نحو التهدئة وعدم التصعيد، ذلك أنَّ تل أبيب مستمرة باستهداف المواقع الإيرانية في سوريا فيما تبقى طهران تشتهي الردّ!
يبدو أنَّ هذا كلّه يستوجب تدخلاً أميركيًا حتى لو كان على سبيل الردع والتخويف الذي أتى بالشيء الكثير وعلى إثر التصعيد الإسرائيلي في فلسطين، جاءت إلى المنطقة حاملة الطائرات الأميركية العملاقة المسماة "جورج دبليو بوش" للتمركز بالقرب من السواحل السورية، ولا يغيب عن بالنا أن للحاملة واسمها مدلولاتٍ كثيرة. فالطائرات الراسية على متنها كافية لردع أي أهداف في المنطقة، فيما يذكر إسمها بالرجل الذي غزا بلاد العرب ذات يوم ليدمّر بلدًا بأكمله.
ووفق المعطيات، فإنَّ حاملة الطائرات التي كانت أقرب إلى السواحل التركية من قبل ستحلّ ضيفًا ثقيلاً في مياه العرب أو بالقرب منها ولمدة رفضت نائب المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" الإفصاح عنها. ولأن أميركا أرادت توجيه رسالة شديدة اللهجة أو إطلاق تحذير أكبر، لم تكتفِ بالحاملة المذكورة آنفاً بل أوفدت كذلك ضيفًا أكثر ثقلاً إلى مياه العرب من الناحية الأخرى والمقصود هنا مياه الخليج وهذا الضيف كان عبارة عن غواصة نووية مزوّدة بصواريخ موجّهة تدعى "يو.إس.إس فلوريدا" قادرة على حمل ما يصل إلى 154 صاروخ "كروز" من طراز "توماهوك"... وقدومها كان لافتًا!
في العادة، لا تصرّح الولايات المتحدة عن أماكن وجود غواصاتها المدمرة هذه، بل تبقي الأمر سرًّا غير أنها في هذه المرة أعلنت وصرًحت وجاهرت حتى عن عدد الصواريخ التي تحملها كما حدّدت وجهتها، بل وقال بيان البحرية الأميركية إنَّ مكوث الغواصة النووية سيبقى إلى وقت غير محدد، تمامًا كحال حاملة الطائرات التي من مهامها نشر طائرات هجومية تابعة للقوات الجوية الأميركية من طراز A10 في منطقة الشرق الأوسط. ما يعني أنَّ واشنطن تريد أن تقول الكثير من خلال هذا الحضور الذي أشعل مياه العرب. ولعل الرسائل التي أبرقتها إلى إيران قد تصل الصين وروسيا فبحسب ما ذكر موقع "ميدل إيست أونلاين" فإنَّ واحدًا من أهداف الغواصة الأميركية ينطوي على مراقبة تحركات الصين وروسيا في المنطقة، خصوصًا أنَّ جيشي كل من بكين وموسكو كانا قد خاضا مناورات وتدريبات مشتركة مع الجيش الإيراني في مياه الخليج. كما أن بارِجَتَيْن روسيتَيْن من أسطول الشمال الروسي كانتا قد رستا في مرفأ جدة في المملكة العربية السعودية، بالرغم من الضغوط العديدة التي مارستها واشنطن على الرياض لمنع تمدد النفوذين الروسي والصيني في المنطقة.
لكن على ما يبدو، فإنَّ الباب بات مفتوحًا على مصراعيه لكل من الصين وروسيا للقدوم إلى الخليج، خصوصًا أنَّ أحد طرفَي البوابة في إيران هو رهن للدب الروسي والتنين الصيني، أما الطرف الآخر يبقى في يد السعوديين فيما يبدو أنهم سلّموا مفاتيحه أو نسخًا منها للقادمين من بكين وموسكو.
لذا بات لزامًا على الأميركيين أن يسجلوا حضورهم في المنطقة التي كانت مرهونة لهم في العقود الأخيرة. وهذا الحضور والرد جاء على ظهر حاملة طائرات وغواصة نووية في العلن وربما هناك المزيد من المفاجآت القادمة.
فما تريده واشنطن ينطوي على توجيه رسالة شديدة اللهجة لمحور روسيا والصين وإيران وربما من خلفها السعودية في حال انخرطت أكثر مع هذا الحلف.
وهنا لا بد من التوقف، ولو قليلاً، عند موقف الرياض الماضية حاليًا في اتفاق مصالحة مع طهران قد ينهي سنوات من العداء، ورفقة هذه المصالحة دعوات للتفاوض والحوار مع الحوثيين لوقف الحرب في اليمن، وكل ذلك يجري برعاية صينية ومباركة روسية وانفتاح سعودي بدأ يتوسع ويكبر باتجاه الروس والصينيين. لكن هذا لا يعني أنَّ الرياض تخلّت كليًّا عن واشنطن فما بين العاصمتين الكثير من التعاون في المجال الأمني والعسكري وتمثل أميركا مصدر السلاح السعودي والشريك الاستراتيجي وصمّام الأمان للسعوديين في حال نكثت طهران بوعود وعهود السلام والمصالحة.
في المحصلة، يقتضي عالم السياسة اللعب على جميع الحبال والعزف على الأوتار كافة، وفي حال أجادها السعوديون خصوصًا، قد تأمن لهم مصالحهم وربما أكثر ومن خلف السعودية باقي الدول العربية.

