أكرم حمدان - خاص الأفضل نيوز
تتّجهُ الأنظارُ نحو مسار التّسويات والتّفاهمات الّتي تطغى على المنطقة، لا سيّما بعد اتّفاق بكين بين المملكة العربيّة السّعوديّة والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وما تبع ذلك من إعادة ترتيب للعلاقات العربيّة البينيّة التي انطلقت من دول الخليج ويُنتظر أن تصلَ إلى سوريا مع انعقاد القمّة العربيّة المقرّرة في التّاسع عشر من أيار الحالي في الرياض.
هذه الأجواءُ الّتي طرحَت الكثيرَ من الأسئلة الإيجابيّة، ولو أنّ أحداث السودان الدّامية قد شوّشَت عليها، قد تكون مناسبة لتُعيدَ التّذكير بميّزات المنطقة العربيّة وكيفيّة الاستفادة منها على الصّعيد القوميّ عمومًا وعلى الصّعيد اللّبناني خصوصًا.
فالمنطقةُ العربيّةُ تتميّزُ عن غيرها من بقاع العالم بأنّها أرض الرّسالات السّماويّة، وفيها ظهر الرّسل والأنبياء، ويحجّ إلى مُدنها المقدّسة جميع أتباع الرّسالات السّماوية من يهود ومسيحيّين ومُسلمين.
وتتميّزُ أرضُ العربِ بموقعها الجغرافيّ المهمّ الّذي جعلها صلةَ الوصل ما بين الشّرق والغرب، وما بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، عبر العصور، كما أنّها شكّلت عبر مراحل التّاريخ المُختلفة، مصدراً للحياة والطّاقة في العالم منذ أيّام الإمبراطورية الرومانية التي كانت خزائن قمحها تعتمدُ على الشّرق العربيّ وصولاً إلى عصرنا القائم على مخازن النّفط والغاز.
ولأنّها تتمتّعُ بهذه الميّزات، كانت دائماً محطّ أنظار وأطماع القوى الكبرى السّاعية إلى السّيطرة والتّسلّط والتّحكّم، وكانت هدفاً للغزوات والصّراعات التي أدّت إلى إقامة كيان الاحتلال على أرض فلسطين لكي يفصلَ المشرق العربي عن مغربه.
لقد مرّت المنطقةُ العربيّةُ في تاريخها المُعاصر بالعديد من التّجارب، وتعامل الدول الكبرى معها بطريقة مختلفة عن باقي دول العالم الثالث، ما أدّى إلى تشرذُمِ وبعثرةِ الطّاقات التي تتمتّع بها على الصّعد المُختلفة، في تكرار للتّجربة الأوروبية الّتي لجأت إلى الاستعانة بالخارج لمعالجة تداعيات الحروب العسكريّة الّتي شهدتها.
وفي حين، نجحَت الدّول الأوروبية في تطوير صيغ التّعاون فيما بينها رغم التّباين العرقيّ والثّقافيّ والاجتماعيّ ورغم التّاريخ المليء بالحروب والصّراعات الدّمويّة، يبقى الرّهان والأمل في المرحلة الحاليّة على جامعة الدول العربيّة التي يُفترض أن تلعبَ دوراً حاسماً وكبيراً عبر تعديل نظامها وآليّة اتخاذ القرارات فيها، والاستفادة من التّجربة الأوروبيّة المشتركة التي تجاوزت تاريخاً من الحروب والصّراعات عندما توفّر القرار السّياسيّ والإرادة.
فما يجمعُ بين الدول العربيّة أكبر بكثير ممّا يجمع بين دول الاتّحاد الأوروبيّ، وفشل كلّ وسائل وأساليب العمل القطريّ والنّتائج السّلبيّة للخلافات البينيّة العربيّة، ومحاولات الاستعانة بالخارج، ربّما تُشكّل كلّها دروساً يستفيد منها الحكّام والمسؤولون، كما استفادت أوروبا من دروس الحربَين العالميَّتين الأولى والثّانية ومن تجارب ألمانيا النّازيّة وإيطاليا الفاشستيّة، من أجل تعزيز دور المؤسّسات الديموقراطيّة والتّخطيط الاستراتيجيّ المُتكامل بالاستناد إلى القُدرات والطّاقات التي يمتلكُها العرب.
ولعلّ المتغيّرات الّتي تشهدُها العلاقات العربيّة البينيّة في الفترة الرّاهنة، تُشكّل محطّةَ تأمّلٍ لدى البعض لإعادة تقييم كلّ التّجارب السّابقة وإعادة النّظر في الوسائل والأساليب الّتي تجعل من المنطقة العربيّة، منطقة تأثير وتأثّر وليست منطقة انتظار لردّات الفعل الدوليّة والإقليميّة.
وربّما من المفيد التّذكير بأنّ لبنان يُمكنه الاستفادة من قُدرات وميّزات المنطقة وتطوّراتها الإيجابيّة التي قد تتبلور في قمّة الرياض، خصوصاً إذا أدرك مسؤولوه بأنّ لبنان لم يخرج من أزماته، إلّا من خلال الاحتضان العربيّ ولن يستطيع النّهوض والاستقرار، كما غيره من البلدان العربيّة، إلّا من خلال التّكامل والتّعاون العربيّ الّذي يستندُ على طاقات وميّزات هذه المنطقة.


