أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
مرّت الذكرى الرابعة والثلاثين لإستشهاد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد ، دون أن يشعر بها غالبية اللبنانيين، واقتصرت على بعض البيانات والزيارات التي قام بها سماحة المفتي الحالي الشيخ عبد اللطيف دريان، مع وفدٍ من العلماء إلى الضريح في منطقة الأوزاعي.
في السادس عشر من أيار، ذكرى الإغتيال المشؤوم، قد يكون من الأفضل تذكير الأجيال بما كان عليه صاحب الذكرى لجهة الدور والموقع والمواقف.
فقد كانت دارالفتوى مقراً ومنطلقاً لمختلف المؤتمرات واللقاءات الوطنية الجامعة، خصوصاً بعدما بدأت الحرب، حيث عُقدت قمم عرمون في العامين 1975-1976 وإجتماعات دار الفتوى عامي 1983 و1984 .
لكن المحطة الأبرز، في تاريخ هذا الرجل الذي كان عابراً للطوائف ومفتياً للإصلاح الديني والسياسي ، كانت صلاته الجامعة وخطبته في الملعب البلدي في بيروت صبيحة يوم عيد الفطر سنة 1983، تلك الصلاة الجامعة وطنياً التي شاركه فيها كل المرجعيّات الدينيّة الإسلامية من السّنة والشّيعة والدّروز، حيث كان إمام الوطن.
وكرَّس المفتي خالد نظرته وإيمانه بنهائية لبنان ، في الواحد والعشرين من أيلول 1983، من خلال المؤتمر الإسلامي الذي عُقد في دار الفتوى وضمّ إليه، القادة الروحيين والسياسيين من المذاهب الإسلامية كافّة،رئيس مجلس النواب حينها حسين الحسيني، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رئيس الحكومة سليم الحص،الوزير والنائب وليد جنبلاط وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ محمد أبو شقرا، وعدد من الوزراء والنّواب المسلمين.
وقد اتخذ هذا المؤتمر سلسلة من المقرّرات التي أُطلق عليها اسم الثوابت الإسلامية العشرة.
ونصت تلك الثوابت في بندها الأول والأساسي على أن لبنان وطن نهائي بحدوده الحاضرة المعترف بها دوليًا، سيداً حرّاً مستقلاً، عربياً في إنتمائه وواقعه، منفتحاً على العالم، وهو لجميع أبنائه، له عليهم واجب الولاء الكامل ولهم عليه حق الرعاية الكاملة والمساواة.
وتضمّنت البنود الأخرى من الثوابت التأكيد على كون لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، ذا نظام يقوم على الحرية الإقتصادية، ويقرّ بنظام التكافل الإجتماعي، وهو متلازم في وحدة مناطقه، ورافض للمشاريع التي تؤدي إلى اللامركزية واللجان المحلية والكونفدراليّة والفيدراليّة، مع تأييد اللامركزية الإدارية، ومنادٍ بإلغاء الطائفية السياسية من نظام الحكم ومن كافة مؤسسات الدولة، ورافضاً لكل أشكال القوى والسلطات خارج إطار الدولة وللميليشيات الحزبية، وداعياً إلى عودة المهجّرين إلى قراهم، وساعياً إلى إنهاء الإحتلال الإسرائيلي لأراضيه ومحاربته وإخراج كل القوى والجيوش غير اللبنانية من كافّة الأراضي اللبنانية.
وشكّلت هذه الثوابت الإسلامية العشرة إنطلاقة التّفاهم الإسلامي - المسيحي الذي مهّدَ الطريق لإتفاق الطائف.
فالشهيد المفتي ، ذهب خلال الغزو الإسرائيلي وما بعده إلى الملعب البلدي ليقول أمام الجماهير " إنه يرفض الإحتلال، ويدعو لمقاومته ودحرِه".
وما بعد الغزو، أقدم مع العالم الراحل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين والقيادات السياسية والروحية الإسلامية ،على إصدار وثيقة الثوابت العشر، وعمِلَ بلا كلل أو ملل مع القيادات الوطنية والعروبية المحلية ، ومع القادة العرب من أجل إنهاء الحرب.
يقول نجلُ الشهيد ورئيس مؤسّسة المفتي الشهيد حسن خالد المهندس سعد الدين خالد:"لقد أرسى المفتي الشهيد خلال حياته قواعد العدالة القائمة على التّحرر من العصبيّة والتّخلف والجهل، وعمل على زرع الوسطية والإعتدال والفضيلة والإلتزام بمبادئ الشريعة ومقاصدها إضافة إلى زرع التعاطف والمحبة بين المسلمين ومع سائر اللبنانيين حفاظا على الوطن، كما دعا إلى إصلاح النظام اللبناني ومؤسساته تحت سقف العدالة والمساواة وحفظ الحقوق والإلتزام بالواجبات".
لقد قضى المفتي خالد على طريق ولادة إتفاق الطائف الذي أوقف الحرب ، كما سبقه أيضاً الرئيس الشهيد رشيد كرامي على نفس الطريق وغيرهما، ممن افتدى لبنان العروبة في مواجهة مشاريع التقسيم والفدرلة التي عادت تطل بوسائل وأساليب جديدة ومختلفة .
وهكذا كان مفتياً للوطن خلال حياته واستشهد من أجل أن يبقى لبنان.

