د.عليا علي ملحم -خاصّ الأفضل نيوز
الانهيار في لبنان هو أسلوب حياة منذ الولادة القيصرية للجمهورية اللبنانية، وكأنَّ التركيبة السياسية المولودة من التقسيمات الطائفية المريضة، جاءت لتنفذ خطة التفتيت البطيء للدولة، كما زرع الفوضى في كل أجزائها، فيكون الحصاد خراباً وحروباً وفقراً وجوعاً. هو لبنان الذي اجتمعت عليه دول العالم، كما الشعب الذي يعيش على أرضه، فكان الحصار من الخارج والداخل، لتوقيف مسيرة إعادة بناء الدولة، ووضعها على خارطة الدول التي تحترم لقمة عيش مواطنيها، فتحولت إلى لقمة من الخبز والدم، لتشرّع قانون الغاب في الحفاظ على الذات والاستمرار في العيش على قيد الحياة..
الشعب اللبناني الذي عاش دائماً في ظلِّ غياب فاضح لأي خطة وطنية شاملة تحفظ له وجوده وكرامته، تعرّض إلى أكبر نكسة مالية واقتصادية في تاريخه، فكانت النتيجة أن ضربت الطبقة الوسطى في البلاد ضربة قاضية سرّعت وتيرة الانهيار التام، خاصة أنَّ الطبقة الوسطى تعتبر معيار التوازن المجتمعي والطبقة المنتجة الفاعلة. فهذه الضربة القاسية وإلى جانب غيرها من المؤشرات التي تتصل بالتضخم وارتفاع مستوى المعيشة مع محدودية الدخل وانخفاضه في كثير من القطاعات، وندرة الوظائف المتاحة للمواطنين، وما يصاحبه من ارتفاع في معدل النمو السكاني الذي ترافق مع وجود النازحين السوريين في لبنان، ستكون لها نتائجها السلبية على واقع الطبقة الوسطى وانـحسارها لصالح الطبقة المتدنية الدخل، وفي ذلك مؤشر لخلل تنموي سينعكس أثره على مشكلات اجتماعية مختلفة، وركود اقتصادي مؤثر، وما يترتب على ذلك من تحديات أمنية وغيرها. كيف لا ولبنان يحتل المرتبة الأولى الآن (2023) عالميًّا على المؤشر السنوي للتضخم حسب موقع "The Spectator Index" عبر "تويتر" بمعدل 260%، متخطياً الأرجنتين التي جاءت في المرتبة الثانية بمعدل 104%، ويشير هذا التضخم إلى حجم التحديات المقبلة على لبنان الذي يعاني كما سبقت الإشارة من أزمة حادة في أمنه الاقتصادي والغذائي.
من هذا المنطلق، إنَّ الحيلولة دون العمل على وضع سياسات عقلانية، ساهم في انتشار ثقافة الفساد والهدر، مما أدى للوصول إلى اقتصاد يتسم بالمديونية، وقطاع مصرفي هشّ انهار بسبب غياب حوكمة رشيدة، انبثقت في الأصل عن النظام الطائفي والسياسي الذي يعتبر سبب الخلل البنيوي الذي يعاني منه لبنان.
هذه الأزمة التي يشهدها الاقتصاد اللبناني لها انعكاساتها الاجتماعية والصحية والتعليمية والمعيشية... على مختلف مكونات المجتمع اللبناني وطبقاته الاجتماعية، إلا أنَّ حدّتها سيكون وقعها مدوٍّ على ذوي أصحاب الدخل المحدود الذين كانوا ركيزة الطبقة الوسطى.
ومن المعلوم أن الطبقة الوسطى كلما زاد حجمها في المجتمع كلما ساهم ذلك في تأمين وإرساء قواعد الأمن الاجتماعي، وكلما تقلص حجمها كان له تبعات وخيمة أكانت اجتماعية أو حتى أمنية.
لطالما صنف البنك الدولي لبنان على أنه دولة هشة، وساحتها تتسم بأحداث عنفية ونزاعية... وبالتالي قد تهدد الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتردية بانهيار وطني منهجي تكون له انعكاسات محتملة على المستويين الإقليمي والعالمي، ممّا يُجسد حجم الكساد الاقتصادي الذي يشهده البلد، من دون بارقة أمل بتغيير تلوح في الأفق، نظرًا إلى التقاعس المتعمد عن اتخاذ السياسات الملائمة. وقد يصبح الأثر الاجتماعي للأزمة، مأساويًا بسرعة، يُرجح أن يكون أكثر من نصف السكان دون خط الفقر. ويواجه لبنان، وهو ذو تاريخ حافل بالنزاعات والحرب الأهلية، مخاطر واقعية تهدد سلمه الاجتماعي.
وعليه، وفي لبنان فإنه بحسب عدة جهات منها "البنك الدولي"، مركز "فالكوم كير كارنيفي للشرق الأوسط"... وغيرها من المؤسسات التي أشارت إلى أنَّ الانهيار الاقتصادي سيؤدي إلى نتيجة حتمية وهي تقلص الطبقة الوسطى، وأنَّ نسبة الفقر في لبنان من المتوقع أن تتخطى 40% وأن نسبة الذين يعيشون في الفقر المدقع نسبته لم تتجاوز 25%، وتعتبر هذه الأرقام مخيفة وتنذر بانفجار اجتماعي ستكون عواقبه وخيمة على كل المستويات يرافقه ارتفاع في نسبة البطالة والهجرة والسفر للعمل خارجًا وهذه جميعها ستولد مشاكل اجتماعية سيكون لها انعكاسات وتداعيات على البنية المجتمعية كما أنها ستؤثر على سلوكيات الأفراد والتي ستتجلى في السلوكيات الاستهلاكية.
أما الحلُّ الوحيد الذي يعيد بناء لبنان ويعزز فيه الانتماء ويساهم في وضع الخطوة (والخطة) الأولى نحو الدولة العصرية المدنية، هو إلغاء النظام الطائفي، كما إلغاء الطائفية من عقول المواطنين، كما الانفتاح على دول العالم والابتعاد عن الصراعات السياسية الضيقة.

