محمود الزيات -خاصّ الأفضل نيوز
خرجوا إلى الحرية ..يلوِّحون بسلاح جلاديهم، لم يسبق أن سُجل في تاريخ المعتقلات ، أن يخرج أسرى من زنازينهم الضيقة إلى الحرية ، وهم يلوحون بأسلحة الجلادين الفارِّين على عجل، كما حصل في معتقل الخيام، المعتقل الذائع الصيت في الوحشية التي ارتكبت بحق المئات من المعتقلين الذين ساقهم الاحتلال الاسرائيلي، على مدى خمسة عشر عاما.
.. في الثالث والعشرين من شهر أيَّار عام 2000، وقبل يومين من اكتمال مشهد التحرير ،في الخامس والعشرين من أيَّار، اليوم الذي تكرس عيدًا وطنيًّا، ومع تصاعد حالة الانهيار التي أصابت قوات الاحتلال وميليشياته، على امتداد ما كان يُسمى "الشريط الحدودي" في جنوب لبنان، خرج 142 معتقلًا وأسيرًا لبنانيًّا من زنازين المعتقل ، وهم يطلقون صرخات الحرية، بعد أن تدافعت جموع المواطنين من بلدة الخيام نحو المعتقل ، مع انتشار الأخبار المتعلقة بتقهقر قوات الاحتلال ، و"مفاوضات" أجراها جلادو المعتقل الذين التحقوا بقوافل الاحتلال والاتجاه إلى الداخل الفلسطيني المحتل، مع الأهالي بالسماح لهم بمغادرة المعتقل ، في مقابل عدم إلحاق الأذى بالمعتقلين.
معتقل الخيام الذي شيَّده الانتداب الفرنسي عام 1933، وأشرفت عليه مخابرات الاحتلال الاسرائيلي ، وعيَّن زمرة من عملائه ممن انخرطوا في ما كان يُسمى "جيش لبنان الجنوبي" بأمرة العميل أنطوان لحد ، هو مركز الاعتقال الأساسي والأبشع الذي أقامته قوات الاحتلال الإسرائيلي في العام 1985 في بلدة الخيام ، بعد أن انسحبت من الجبل والبقاع الغربي وصيدا والنبطية وصور، واُقفل المعتقل الجماعي في أنصار في قضاء النبطية .
تجاوز عدد المحتجزين فيه منذ إنشائه خلال خمس عشرة سنة ( 1985 ـ 2000 ) ، الألفي مواطن لبناني وفلسطيني، من بينهم خمسمئة أمرأة وفتاة وعشرات الأطفال والمسنين ، تعرضوا لأساليب التعذيب الوحشي بالكهرباء على الأصابع واللسان والأعضاء التناسلية ، وسكب الماء البارد في الشتاء والساخن في الصيف، وقد اُحصِيَ استشهاد ستة عشر أسيرا ، وهم أسعد نمر بزي، هيثم دباجة، سليم عواضة، حسين علي محمود ، زكريا محمد نظر، عبد الله غملوش ، علي عبد الله حمزة، لبيب أبو غيدا، أحمد فضل الله ترمس، بلال السلمان ، إبراهيم أبو عزة، شوقي خنافر، محمد خليل قطيش، يوسف أمين سعد، إبراهيم فرحات وعلي الغول ، وإصابة العشرات بأمراض متعددة ، جراء غياب أي نوع من أنواع الرعاية الصحية، وانتشرت في صفوفهم حالات مرضية كأزمات القلب والربو والتدرن الرئوي والتهابات الجلد والتقرح المعوي.
بعد عشر سنوات من التحركات التي قامت بها منظمات حقوقية لبنانية ودولية ، سيما وإنَّ منظمات حقوقية وإنسانية دولية، وصفت المعتقل ، في مذكرات أعدتها للمنتديات التي تعنى بحقوق الانسان، بـ توأم" للمعتقلات النازية، ، تمكنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تدخل إلى المعتقل ، وإن بدور محدود رسمته قوات الاحتلال ، كإجراء تحسينات طفيفة على حياة المعتقلين والأسرى، وتنظيم زيارات أهالي المعتقلين إلى أبنائهم في المعتقل.."بالقطارة"، في محاولة يائسة للتخفيف من السمعة السيئة التي حَظِيَ بها المعتقل.إلى أن جاء اليوم الذي استجدى فيه فريق الجلادين في معتقل الخيام، أهالي بلدة الخيام التي زُجَّ عدد من أبنائها في المعتقل ، وكانوا شهودًا على التنكيل والتعذيب الوحشي الممارس على المعتقلين، وقد وقف الأهالي أمام مداخل ومنافذ المعتقل وشكلوا سدًّا بشريًّا لمنع فرار الجلادين، في انتفاضة لم يسبق أن سُجل مثيلٌ لها، فكان أن سُمِح لهم بالفرار مقابل ترك الأسرى سالمين في زنازينهم، ليكسر بعدها الأهالي الزنازين بالآلات الحادة ، وانتزعت الأغلال وخرج المعتقلون من الزنازين وهم يحملون أسلحة الجلادين، لتنهار "قلعة" التنكيل والتعذيب التي مثلها معتقل الخيام.
وقد تعرض جلادو المعتقل من عناصر الميليشيات المنهارة ، للإذلال والمهانة عند بوابات العبور، من قوات الاحتلال والمستوطنين الذين رفضوا التعايش معهم ، "كيف يمكننا السماح لهم بالعيش معنا ، وهم خانوا بلدهم..! من أجل بلدنا؟! متى ينقلبون علينا؟".
بعدها ، تحول معتقل الخيام إلى مزار يقصده الآلاف من المواطنين ، الذين سمعوا عن حكايا التعذيب ، فيما أصبحت الآليات العسكرية التي خلفها الاحتلال وميليشياته في باحة المعتقل إلى ما يشبه "مدينة ألعاب" للأطفال، ليتحول لاحقًا إلى متحف يؤرخ ليوميات المعتقلين والأسرى، قبل أن تدمره قوات الاحتلال في عدوانها على لبنان في تموز العام 2006 ، فبقيت أطلال من حجارته تروي للزائرين بعضًا من معاناة من أمضى سنوات طويلة داخل زنازينه المعتمة.


