يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز .
إذا أردتَ أن تسألَ عن معيار الذهب ونوعه، فلا ينبغي أن تسألَ بائعَ الفجلِ، وإنما عليكَ أن تتوجهَ إلى سوق الصاغة لكي تعرفَ النفيسَ منها والرخيص.
وخلافاً لما روى بعض الهواة والمتسلّقين عن معركة بيادر العدس أو معركة السلطان يعقوب، والتي دارت رحاها في بلدتنا وأمامَ أعيننا رغمَ أننا كنا صغاراً ، وكان كثير من هؤلاء " الحَكَواتِيّين" إما قد فروا إلى سوريَّة خوفاً، أو كانوا يختبئون في الملاجئ وينظرون من الثقوب في كل قرية كلما توقف إطلاق النار ، وبعضهم كانوا يَطْلُون سياراتهم بالوحل للتعمية والتمويه ويتسلحون بالكاميرا لتصوير المشاهد رغم أن التصوير حرام على المناضلين في المناطق العسكرية، فقد كانت معركة السلطان يعقوب ملحمةً بطوليةً بحقٍ وصدق.
كان النار و الغبار يلفّان بلدةَ المنارة من كل ناحية ، وكان ابطال المعركة الحقيقيون هم جنود الجيش العربي السوري بمؤازرة من الفدائيين الفلسطينيين وبعض أبناء المنطقة الغيارى.
ورغمَ أن هذه المعركةَ البطوليةَ كانت ملحمةً في الفداء أظهر فيها المقاتل العربي كلَّ بسالةٍ وشجاعةٍ وقدرة وصلابة وحنكةٍ ودراية ، وتكبدَ فيها العدو الصهيوني الخسائرَ الفادحةَ بالعتاد والأرواح عند بيادر العدس في خراج بلدة المنارة البقاعية، وفي ظل تفوق واضح لسلاح الجو الإسرائيلي، ورغم أن العدوَّ قد وقعَ في فخٍ محكمٍ و مُني بهزيمةٍ نكراء في هذه المنطقة، إلا أن توثيق هذه الملحمة والحديث عنها لم يكن بالمستوى المطلوب الذي يواكب التضحيات التي قدّمها الجيش العربي السوري والقوات الفلسطينية الرديفة، وظل الكتاب الإسرائيلي " في ذلك الحزيران " هو المرجع الأبرز لمعرفة الحقائق والاعتراف بهزيمة العدو واضطراره للانسحاب يجرُّ خلفه أذيالَ الخيبة بعدَ أن فقد أكثر من عشرين قتيلاً ( منهم ثلاثةٌ لم يستطع إجلاءَهم من أرض المعركة وأخذهم الفدائيون إلى جهة مجهولة ) وأكثر من ستين دبابةٍ وعربة عسكرية ( منها ثماني دبابات ظلت سليمةً واغتنمها الجيش العربي السوري وكان في إحداها كما رُوي لنا معلّبات وحفاضات وخرائط تثبت أن هدف العدو كان السيطرةَ على تلةِ السلطان يعقوب وقطع الطريق الدولية بين بيروت ودمشق ) .
وفي تفاصيل المعركة يروي جنود الاحتلال ما حل بهم في ذلك الحزيران فيقولون :
وقعت هذه المعركة في 10-11 يونيو / 1982 / أي بعد أربعة أيام من بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان أو ما سُمّي إسرائيلياً بعملية السلام للجليل .
في يوم الخميس ( العاشر من يونيو ) بعد الظهر , حين أمرَ اللواء (أفيخدور بن غال بانوش) ، قائد قوات ''الجيش الصهيوني '' في القطاع الشرقي من لبنان، نائبَه ( اللواء إيهود باراك ) بنقل أحد الألوية من قرية ( كفرمشكي ) إلى مثلث عيتا الفخار، وكانت النيّة هي دفع القوات باتجاه طريق بيروت ـ دمشق .. وصدر الأمر بالتحرك على المحور بسرعة وأثناء الليل، ومن خلال الافتراض بأن القوات السورية في المنطقة قد انهارت...
وفي حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً كانت الكتيبة تتحرك باتجاه مثلث الطرق، وعند ذلك حلت الكارثة!!
واتضح بعد ذلك أن المثلث الذي وصلت إليه طلائع الكتيبة كان في الحقيقة الجزء الجنوبي لمنطقة تتمركز فيها قوة كوماندوز سورية قامت بإطلاق نيرانها بشكل جنوني...
ولم يخطر في بال قائد الكتيبة ( عيرا ) أنه موجود داخل منطقة سيطرةٍ سورية عندهاا أصدر أمراً بالتحرك نحو الأمام ، رغبة منه في الخروج من مجال النيران '' التي وصفها ( آفي راط) بقوله : وجدنا أنفسنا مطوقين من كل جانب ، وتلقينا عشرات الصواريخ من كل الاتجاهات ، وقد عمّت الفوضى والارتباك حين انفصلت السرايا عن قيادة الكتيبة، وكذلك كان حال قادة الفصائل مع قادة السرايا. وأغلق محور حركة الكتيبة بسبب الدبابات المصابة، وأسهم الظلام في اختلاط السرايا بعضها مع بعض، ولم يعرف القادة أين يوجد جنودهم؟ فجَرَت محاولات لجمع القوات ولكن دون جدوى ولخّص قائد السرية الوضع بأنه كان داخل الدبابة محاطاً بقوات سورية تطلق النار عليه من كل الاتجاهات ومن مسافة قريبة جداً، وأنّ بعض جنود سلاح المشاة السوريين كانوا على مسافة ثلاثة أمتار من الدبابة. وظلّت حالة الارتباك سائدة في الليل، وقبل بزوغ الفجر أوعز قائد اللواء إلى كتيبة أخرى تابعة له بتخليص الكتيبة المحاصرة، فأرسلت سرية لهذه المهمة، ولكنها اصطدمت بنيران القوات السورية ولم تنفذ المهمة التي أوكلت إليها ، ومع بزوغ الفجر أدركت الكتيبة أنها حوصرت داخل منطقة السيطرة السورية فحاول قائد الكتيبة عيرا تهدئة الجنود الذين واجهوا مع طلوع الفجر ظروفاً صعبة، والقوات السورية المتمركزة بين السلاسل الصخرية تطلق الصواريخ ونيران المدفعية وقذائف الدبابات ''.
ومع تقدّم النهار اشتدت وطأة القصف من جانب القوات السورية، وأدرك قادة الكتيبة أن التعزيزات لن تصل إليهم، وأن الذخيرة بدأت بالنفاد والجنود يشعرون بالتعب والاستنـزاف بعد ليلة كانت معركتها قاسية حتى اعتقد بعضهم أن نهايتهم أصبحت قريبة.
وأدركت قيادة الفرقة صعوبة الموقف عندما قال ضابط العمليات في الكتيبة لقائد الفرقة، أن الخيارات التي بقيت هي الاستسلام، أو الانتحار، أو الانسحاب. وعندها وضعت خطة الإنقاذ، إذ بدأت المدفعية الإسرائيلية بإسقاط نيران كثيفة وثقيلة على المنطقة السورية، واستطاعت الكتيبة الانسحاب باتجاه الجنوب على متن دباباتهم التي تحرّكت بسرعة جنونية.. وكانت القوات السورية المتمركزة على مسافة 20 م عن الطريق تطلق النار عليهم، فأصيبت عدة آليات خلال الفرار مخلفين وراءهم في المنطقة ثماني دبابات، وعدداً من العربات المدرعة والقتلى والجرحى، وقد وصف ضابط الاستخبارات عيرون ما جرى بقوله: لم تكن تلك معركة، حيث رغبنا فقط بالخروج من المكان على قيد الحياة .
بعد هذه المعاناة القاسية، وصلت الفلول الباقية من الكتيبة المنسحبة إلى الفرقة وقال قائد السرية نير : لقد خرجنا من نار جهنم .
وفي الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة، قال اللواء بن غال إن الكتيبة خرجت من الحصار وخلّفت وراءها ثلاث دبابات محروقة فقط خلافاً للحقيقة المُرة التي شهدناها.
ومن الجهة الأخرى، يروي فاروق الشرع بعض تفاصيل تلك المعركة في كتابه "الرواية المفقودة " فيقول:
تقدمت المدرعات الإسرائيلية لحصار بيروت من جهة واحتلال طريق دمشق بيروت والسيطرة على الطريق الدولية من المصنع إلى ضهر البيدر من جهة ثانية لعزل القوات السورية والفلسطينية.
وفي البقاع تمكنت القوات السورية بقيادة العميد الركن علي حبيب قائد اللواء 58 من إيقاع الوحدات الإسرائيلية في كمين محكم.
لم ينج من الكمين إلا عدد محدود من رجالها وتم أسر 8 دبابات بحالة سليمة.
كانت هذه هي معركة السلطان يعقوب، التي استمرت 8 ساعات بقتال ليلي ضارٍ يوم 10 حزيران/ يونيو عام 1982.
فالقوات السورية منعت القوات الإسرائيلية من السيطرة على هضبة السلطان يعقوب في البقاع والهيمنة على طريق دمشق بيروت وأحبطت عدة إنزالات جوية هناك، ووقعت الدبابات الإسرائيلية التي كانت تحاول الوصول إلى طريق دمشق ـ بيروت الدولية في كمين أعدته القوات السورية، ودمرت لها عشرات الدبابات.
وبدأ الهجوم المضاد، في بقعة ضيقة احتشدت مئات الدبابات وبشكل متقارب أفقد الطيران الإسرائيلي القدرة على التدخل.
آلاف الجنود السوريين تسلقوا منصات الدبابات وفجروها، فيما لاذ الجنود الإسرائيليون بالفرار ...
وخاتمة القول لا يزال النُّصب التّذكاري لشهداء الجيش العربي السوري ماثلاً على مفرق بلدة عيتا الفخار، ليخلدَ تضحيات هؤلاء الأبطال الذين واجهوا العدوان بكل شجاعة وإيمان.. فالمجد والخلود لهم والخزيُ والعارُ للعدو الصهيوني الغاشم.

