هنادي السمرا - الأفضل نيوز
حسمها رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد جلسة الانتخاب الثانية عشرة بحديثه عن الحوار ثم الحوار ثم الحوار، وبعد اشهر من الانقطاع، وقال" كفى رمياً بكرة المسؤولية على هذا الطرف أو ذاك في إطالة أمد الفراغ ولنعترف جميعاً بأن الإمعان بهذا السلوك، والدوران في هذه الحلقة المفرغة، وانتهاج سياسة الإنكار لن يوصلوا إلى النتيجة المرجوة التي يتطلع اليها اللبنانيون والأشقاء العرب والأصدقاء في كل أنحاء العالم الذين ينتظرون منا أداءً وسلوكاً يليق بلبنان وبمستوى التحديات والمخاطر التي تهدده، وأن بداية البدايات لذلك هو الإسراع بانتخاب رئيس للجمهوريه وذلك لن يتحقق الا بالتوافق وبسلوك طريق الحوار... ثم الحوار... ثم الحوار. نعم حوارٌ بدون شروط لا يلغي حق أحدٍ بالترشح"،"حوار تتقاطع فيه إرادات الجميع حول رؤيا مشتركة لكيفية إنجاز هذا الاستحقاق من دون إقصاء أو عزل أو تحد أو تخوين. حوار تحت سقف الدستور يحافظ على الميثاقية والشراكة، ثم قال : "آنَ الأوان لكي يمتلك الجميع الجرأة والشجاعة من أجل لبنان بسلوك هذا الطريق فهل نحن فاعلون؟".
اذاً كلام الرئيس بري يحمل في طياته حقيقة الأزمة السياسية التي تمرّ بها البلاد عند كل منعطف دستوري أو سياسي نتيجة لتعنّت البعض وتموضعه وراء خيارات طائفية او مذهبية او حتى سياسية لا تصبّ إلا لمصلحة هذا الفريق، مقابل إصرار على الحوار من الفريق الاخر، وان كان ذلك تحت مسمّيات مختلفة كالحوار الجامع او البنّاء او الحوار من غير شروط مسبقة، ولعل رفض الحوار والتوافق لا يؤدي إلا إلى مزيد من المماطلة والشغور في المؤسسات الدستورية طالما أن كل فريق يرغب بتطبيق طموحاته او صلاحياته من وجهة نظره، والرافضون للحوار يعلّلون رفضهم بأنه لن ينتج إلا المزيد من تضييع الوقت بانتظار تسوية خارجية ما، كما حصل في الماضي، نتيجةً لتمترس بعض القوى السياسية وراء افكار مسبقة، بغض النظر عن جدول الحوار، فمن الواضح ان التجارب السابقة اثبتت ان ما يصح في التسويات الخارجية لدى البعض لا يصح لدى البعض الاخر، ولكن الجميع في النهاية يقبلون بنتائجه مع الأسف، وهذه هي المعضلة الأساس. فلماذا لا يختصر السياسيون الطريق ويوفرون على لبنان واللبنانيين هذا الوقت الضائع ويقبلون بحوار داخلي لبناني، اذا كانوا سيقبلون في النهاية بما سينتج عن اي حوار خارجي او تسوية خارجية.
واليوم، بغض النظر عن مؤيدي ترشيح جهاد ازعور او سليمان فرنجية للرئاسة، هناك كلام يسرب في السر والعلن، أن لا حلَّ إلا بمرشح ثالث توافقي، لا يشكل استفزازاً لأحد، ويطمئن كلَّ الافرقاء المختلفين في الرؤية، كما يترافق ذلك مع كلام عن انتظار حل خارجي عربي أو غربي، بالتزامن مع ترقّب الانعكاس الإيجابي للاتفاق السعودي الإيراني، وعن مبادرة فرنسية لم تثمر حتى الساعة، او حراك سعودي فرنسي ترجم بلقاء الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بعد أن شدّدا على ضرورة وضع حد سريع للفراغ السياسي المؤسساتي في لبنان). ويعول البعض على زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي الخاص الى لبنان وزير الخارجية السابق جان ايف لودريان الى بيروت ولقائه مع القوى السياسية والكتل النيابية.
وفي مؤشر لافت، أكّد السّفير السّابق للمملكة العربية السعودية في لبنان علي عواض عسيري أنّ “الفرنسيين بذلوا جهداً في مبادرتهم الداعمة للوزير السابق سليمان فرنجيّة ولكن رأينا الاصطفافات ورأينا الاعتراض من قوى كبيرة في الجانب المسيحي على هذه المبادرة، وسأل : “لماذا يُعيد اللّبنانيّون التّجربة السّيّئة لعهد عون؟، كل فريق في لبنان يقول إنّه انتصر على الآخر في الجلسة الأخيرة لكن المطلوب حوار بنّاء”.
وفي عودة سريعة الى تاريخ جلسات الحوار التي كانت مقدمة للتسويات الخارجية: انطلقت أولى جلسات الحوار في آذار عام 2006 بين تحالفَي 14 آذار و8 آذار بناءً على دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري،. وبعد انعقاد 7 جلسات كان آخرها في تشرين الثاني، توافق الفرقاء على ميثاق شرف للتخاطب السياسي والإعلامي، دون توافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وبعد عدوان تموز في عام 2006، آخر جلسة حوار عُقدت في 24 تشرين الثاني، ومن ثم انقطع الحوار فتدخلت فرنسا وانعقد الحوار في تموز في العام 2007 ، في سان كلو، إلَّا أنَّه لم يتم التوصل إلى نتيجة.
وبعد أحداث 7 ايار في عام 2008، تمت تسوية الدوحة بعد فراغ رئاسي استمر من 25 تشرين الثاني 2007 حتى 25 أيار 2008 وانتُخب ميشال سليمان رئيسًا، وعُقدت أول جلسة حوار برعايته في بعبدا في أيلول 2008 ، ثم توالت الجلسات بعدها حتى وصلت إلى 14 جلسةً ، وفي تموز عام 2012، تم الإتفاق على "إعلان بعبدا" الذي هدف بشكل أساسي إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ولكن انتهت ولاية سليمان دون انتخاب خلف له، ودام الفراغ الرئاسي 888 يومًا. فدعا بري مجددًا إلى حوار بين حزب الله وتيار المستقبل في عين التينة، توافق خلاله الطرفان على عدم التصعيد. إلَّا أنَّ أزمة الفراغ الرئاسي لم تُحل إلَّا بانتخاب ميشال عون رئيسًا بعد توافق بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وتيار المستقبل في ما بات يُعرف بالتسوية الرئاسية، ودعا عون خلال ولايته إلى حوار تحت عنوان “طاولة حوار وطني”وقد جُوبه بمقاطعة من البعض.
من المؤكد ان موازين القوى الداخلية، تتحكم بشكل او بآخر بنتائج التسويات، والتي تأتي كنتاج لمتغيرات في توازن القوى في المنطقة، وبالتالي تكون النتيجة كما اثبتت الوقائع، تقاسم حصص والمزيد من الانغماس في النظام الطائفي، لتمرير الازمات بأقل الأضرار الممكنة، ولكنها لا تؤدي إلى ورشة إصلاح شاملة للنظام ، سياسياً أو مالياً أو حتى دستورياً.
فإذا كانت المحصلة واحدة، أليس من الأفضل التمسك بالحوار الداخلي (بغض النظر عن من سيرعاه الرئيس بري او البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي) بدلاً من الركون إلى التسويات الخارجية " لأن أهل مكة أدرى بشعابها"، وإلا سيبقى لبنان بلد التسويات المؤقتة، ينتظر الحلول تأتيه من الخارج، فهل هناك من يعتبر ؟

