هادي بو شعيا -خاصّ الأفضل نيوز
تصدّر استقبال الرئيس الأميركي جو بايدن لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي منذ اليوم الأول من زيارة الدولة للولايات المتحدة الأميركية عناوين الصحف العالمية، نظرًا لما تنطوي عليه هذه الزيارة من توجهات جيو-سياسية وجيو- استراتيجية كبرى. فيما تحاول واشنطن استمالة نيودلهي رغم الخلافات الكبيرة بشأن روسيا وحقوق الإنسان.
وتسعى واشنطن أن تكون الهند دولة ذات ثقل استراتيجي موازٍ للصين. فيما يسعى مودي إلى زيادة نفوذ بلاده على الساحة الدولية، ما يطرح تساؤلاً جديًّا حول مدى تقاطع مصالح الدولتين ، وهل يمكن تغليب لغة المصالح على الخلافات في ظل تغيّر موازين القوى العالمية؟
لطالما تميزت الديبلوماسية الهندية بموقف الحياد، خصوصًا منذ اندلاع الأزمة الروسية-الأوكرانية، ولعلَّ خيار نيودلهي ذاك أكسبها الكثير في لغة الاقتصاد والمصالح، حيث تمكنت الهند من الحصول على النفط الروسي ومشتقاته بأسعار رخيصة عبر موقفها الرافض لتبنّي العقوبات الغربية على موسكو. إذ ارتفعت صادرات النفط الروسي إلى الهند في كانون الثاني/يناير الماضي لتسجّل 28% من إجمالي النفط الخام المستورد مقابل 1% فقط قبل بدء الحرب في أوكرانيا.
ويرى محللون أنَّ علاقة الأسلحة هي أحد العوامل الرئيسية لعدم معارضة الهند الغزو الروسي لأوكرانيا، ذلك أنَّ العتاد الروسي يشكل نحو 85% من الترسانة الهندية. كما تزايدت أهمية الهند في تصدير القمح بعد تعطيل الحرب للشحن البحري عبر الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، فبرزت الهند كبديل أساسي للقمح عوضًا عن روسيا وأوكرانيا.
وفي مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" رأى أنَّ "زواج المصلحة" بين الهند وأميركا اكتسب أهمية بسبب الحرب الروسية- الأوكرانية والخلاف الأميركي-الصيني. فالخلافات الحدودية الحادة بين نيودلهي وبكين مستمرة، ما يدفع الهند إلى تقوية ترسانتها العسكرية وتنويع مصادرها. فهل ستنجح الولايات المتحدة الأميركية في استمالة الهند إلى طرفها؟
تعدّ هذه الزيارة الزيارة الثالثة لرئيس دولة أو لمسؤول كبير في إحدى الدول الكبرى للولايات المتحدة والتي اتسمت بالكثير من الحفاوة والسماح لمودي بإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب الأميركيَّيْن في الكونغرس الأميركي، فضلاً عن إقامة حفل عشاء على شرفه في البيت الأبيض، ما يدل على المحاولات الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة للتقارب مع الهند في عصر ما بات يسمى بـ"التعددية القطبية"، بمعنى أنه لم تعد أميركا اللاعب الأوحد أو القوة العظمى الوحيدة على المسرح الدولي مع تصاعد نفوذ وقوة كل من روسيا والصين من الناحية الاقتصادية، فضلاً عن الهند التي بدورها باتت تعتبر نجمًا صاعدًا في سماء القوى الكبرى، حيث أضحت القوة الخامسة على مستوى العالم من الناحية الاقتصادية، بالإضافة إلى تخطيها الصين لجهة التعداد السكاني.
وبناء على ما تقدم، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في تنافس شديد مع الصين، لذا تجد في الهند ما تبحث عنه لتحقيق التوازن مع بكين في المحيطين الهادئ والهندي، ناهيك عن كون نيودلهي عضوًا في حلف "كواد" إلى جانب كل من أميركا وأستراليا واليابان. هذا الحلف صُمّم منذ العقد الأول من القرن الجاري، كي يقف في مواجهة الصعود الصيني. وها هو يُثبت اليوم أنّ الاستراتيجية الأميركية التي كانت تقوم على إرساء علاقات وطيدة مع الهند، تؤتي ثمارها.
في المقابل، لطالما دعا مودي إلى وقف الحرب وسلوك طريق الحوار لإيجاد تسوية سلمية للنزاع الأوكراني. وهذا ما كرّره عندما كان يقف إلى جانب بايدن في البيت الأبيض الخميس الماضي. لكن ليس هذا ما كان يريده الرئيس الأميركي من ضيفه. كان يريد موقفاً يندّد بالغزو الروسي ويخفّض العلاقات مع روسيا، كي يحرم الكرملين من مورد رئيسي لتمويل آلة الحرب في أوكرانيا. لولا الصين والهند ودول الخليج العربية، لاتخذت الحرب الاقتصادية التي شنّها الغرب على موسكو منحى أكثر إيلاماً بالنسبة للروس.
ومع ذلك، لم ييأس بايدن، ورأى أنّ الوسيلة الأفضل لاستمالة الهند وجعلها تبتعد عن موسكو هي في إظهار "السخاء" الأميركي، فكان التوقيع على اتفاق لنقل تكنولوجيا المحرّكات، في وقت تبدأ الهند إنتاج مقاتلات على أرضها. وستحصل "جنرال إلكتريك" على الضوء الأخضر لإنتاج محرّكاتها من طراز "إف 414" بشكل مشترك مع شركة "هندوستان إيرونوتيكس" للصناعات الجوية والتابعة للدولة الهندية. وستشتري الهند أيضاً مسيّرات مسلّحة عالية الدقّة من طراز "إم كيو-9 بي سي غارديانز".
في حين تعوّل واشنطن على نيودلهي لتأدية وظيفتَيْن: -الأولى، الابتعاد عن روسيا قدر الإمكان تجارياً وسياسياً. -الثانية تتمثل بالوقوف إلى جانب أميركا على نحو بارز لمواجهة تمدّد التنين الصيني. فيما ينتاب في هذا الوقت الهند الكثير من الهواجس، في ما يتعلق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان الخصم التاريخي، خصوصًا أن الهند ساخطة على واشنطن لبيعها مقاتلات "إف-16" لخصمها التاريخي.
في الختام، رغم تمتين العلاقات التجارية والأمنية والعسكرية وتوسيعها لتطال مجالات الطاقة والتكنولوجيا والفضاء، إلا أنَّ تشابك العلاقات الدولية و"إيثار المصالح" يحولان دون قيام تحالف أميركي- هندي أقوى والذي يبقى أسير تناقضات علاقات واشنطن ونيودلهي مع الدول الأخرى.

