مهدي عقيل - خاص الأفضل نيوز
ليس من السّهل أن يهضمَ الكيانُ العبريّ مسألة تصنيع صاروخ محلّي في "يهودا" و"السامرة"*، ولا يمكن له أن يسمح ولو ببارقة صاروخ أن ينمو هناك. تطوّرَ عمل المقاومة في أقل من أسبوعين، من الكمائن إلى عمليّة عيلي وصولاً إلى إطلاق صاروخين من الضّفة، أربك العدو ووضعه في حيرة، لا سيما بعد فشل "عمليّات جزّ العشب"، كذلك عمليّته العسكريّة المستمرّة منذ العام الماضي، المُسمَّاة "كاسر الأمواج". وعليه، هل يقدم جيش الاحتلال و"الشاباك" على عمليّة عسكريّة واسعة في شمال الضّفة، أو يكتفي بعمليات عسكريّة أمنيّة محدودة؟
استأنف جيش العدو الاغتيالات عبر سلاح الجوّ في الضّفة الغربية، الأمر الذي لم يُقدم عليه منذ عقدين، ظناً منه أنّه سيغيّر المعادلة في الضّفة، وقد يُثني المقاومين عن الاستمرار في مواجهة قوّاته ومستوطنيه، لكن النّتيجة أتت معاكسة تماماً، فالعمليات التي كانت مقصورة على "عرين الأسود" وخلايا "سرايا القدس" (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي)، انضمّ إليها جناح "حماس" العسكري (كتائب القسام) الأقوى على الساحة الفلسطينية، والذي ازدادت معه الخيبات الإسرائيلية في الضفة.
في ال 20 من الجاري، كانت عمليّة "عيلي" التي نفّذها عناصر من "القسام"، وأدّت إلى مقتل أربعة مستوطنين وجرح أربعة أخرين. والاثنين الفائت، أطلق الفصيل نفسه صاروخين من جنين نحو القرية الزراعية "رام أون" في "غلبوع"، محلّيي الصنع، لم يصلا إلى هدفيهما، لكنّهما أعادا حسابات مراكز التقدير والقرار الرّدعيّة في الكيان. وأمست الضّفة جبهة المقاومة المتقدّمة والواعدة والأشدّ خطراً على العدو.
المعركة أصبحت اليوم في الضفة، والأخيرة قادرة على إدارة الصّراع مع الاحتلال وفق المعطيات المتوفّرة على الأرض الواقع، لا سيما بعد انضمام "حماس" بقوّة وعلانيّة إلى ساحة المعركة. واحتمال استحالة الضّفة إلى ما يشبه غزة بمكان ما، بات أمراً معقولاً.
ويحذّر في هذا السّياق، المحلّل السياسي في "إسرائيل اليوم"، يوآف ليمور، بأنّ "الضّفة ليست غزة، والغلاف ليس تل أبيب. ليس لأنّ دم سكانهما أقل حُمرة؛ بل لأنّ قدرة امتصاص آثار ذلك في مركز البلاد – المأهول أكثر، والحسّاس أكثر- أقل بكثير".
يبدو أنّ إسرائيل قد غرقت في وحل الضّفة، وبات "التّصعيد الحادّ في ساحة يمكن أن يشكّل "عدوى" تنتقل إلى ساحات إضافيّة كغزة والقدس والمدن المختلطة وحتّى الساحة الشمالية، وهذا من شأنه أن يوسّع دائرة المواجهة، وأن يزيد حدّة التّوتّر في مواجهة "حزب الله" الذي انفتحت شهيّته على تحدّي إسرائيل". حسب تعبير عاموس يدلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية سابقاً، وأودي أفنطال، باحث متخصّص في الاستراتيجيات والتّخطيط السّياسي. في مقال مشترك لهما في موقع "N12".
في المُحصّلة، خيارات حكومة بنيامين نتنياهو الاستعراضيّة للإيحاء بوجود تطوّر في مواجهة الفلسطينيين، بغية التّأثير إيجاباً في وعي المستوطنين وتهدئة حدّة مطالبهم المتطرّفة، لم تعد ذات نفع، الضفة أمست مُعضلة ككرة الثّلج، وفي تدحرج مستمرّ، ربما لن يتوقّف إلّا بتفجر الداخل الإسرائيلي برمّته، المثقل بالأزمات الداخلية والخارجية.
"يهودا" و"السامرة"، مصطلح إسرائيلي رسمي يستخدم للإشارة إلى الضفة الغربية.

