هادي بو شعيا -خاصّ الأفضل نيوز
من يراقب المشهد السياسي اللبناني يرى أن هناك اختلافًا على كل شيء تقريبًا وخلافًا قد يطيح بالصيغة اللبنانية برمّتها. فيما يبقى الاتفاق الوحيد على مواصلة الاختلاف، لكن الاختلاف الأكبر والأبرز يتمثّل بالفراغ القاتل في منصب رئاسة الجمهورية الذي دخل شهره التاسع، دون مؤشر على قرب الخلاص، خصوصًا بعد الاضطرابات وأحداث العنف التي تعصف بفرنسا، الأمر الذي يُنبئ بانعكاسه السلبي على مهمة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان المرتقبة إلى لبنان ولو كانت بدورها غير مضمونة النتائج.
في المقابل، فإن ما تعيشه فرنسا من اضطرابات، في هذه الأيام، ليس بالأمر الجديد، وإنما هو معضلة تتكرّر بشكل دوري منذ عام 1979 حين وقعت اضطرابات خطرة في إحدى ضواحي مدينة ليون، فمنذ ذلك الحين وحتى أيامنا هذه، مرّ أكثر من أربعة عقود من الزمن، ولم تفلح الطبقة السياسية الفرنسية، طيلة هذه المدة الزمنية، في اجتراح حلول جذرية تقضي بشكل كامل على هكذا اضطرابات ومآسٍ، بحيث كانت السلطات تكتفي بمعالجة الانتفاضات الشعبية بجرعات من الاحتواء الأمني من جهة، وتوزيع الأموال على المتضررين من أعمال الشغب التي ترافق الاحتجاجات، وكذلك على "إطفاء الحرائق" الناجمة عن احتجاجات الثائرين الناقمين على السلطة بسبب أوضاعهم المزرية، وخصوصًا سكان الضواحي والمهمّشين في المدن الكبرى.
ولا يخفى على أحد حجم المشكلات المتفشية في المجتمع الفرنسي من هجرة غير شرعية، سوء الخدمات العامة، البطالة، صعوبة ظروف العمل والعنصرية وسواها الكثير من المسائل الشائكة التي تشبه إلى حدً بعيد القنابل الموقوتة الجاهزة للانفجار عند انطلاق أول شرارة، الأمر الذي يجسّد السياسات الاسترضائية والمتخاذلة التي تعالج المشكلات وفق صيغة "المعادلات الفاشلة".
أمام هذا الواقع المرير الذي يعيشه المجتمع الفرنسي يبرز تساؤل منطقي حول جدوى المبادرات الإنقاذية التي تقوم بها فرنسا تجاه لبنان بهدف انتشاله من مستنقع التخاذل الذي يمارسه زعماء الطوائف في بلادٍ سادت فيها عبارات فضفاضة على غرار "لبنان بلد الرسالة"، "لبنان محكوم بالتوافق" وسواها من الأكاذيب والموبقات التي تجعله عاجزًا عن إتمام أي استحقاق، سواء كان رئاسيًا، أو حكوميًا أو برلمانيًا .
كثيرة هي علامات الاستفهام التي تطرح حول فاعلية المبادرات الفرنسية المتلاحقة والتي أثبتت فشلها ووهنها مراراً، نظرًا لسياسة الاسترضاء المتبعة الآن والتي اتبعت سابقاً بغية تحقيق مكاسب مرحلية وآنية من دون الخروج بصيغ تستنبط الحلول المستدامة للحؤول دون تكرار التجارب والنتائج ذاتها.
في المحصلة، قد يكون صحيحًا أن فرنسا تبقى قادرة على احتواء ما حصل ويحصل تباعًا ضمن مجتمعها. لكن هل يحتمل الشعب اللبناني مزيدًا من المعادلات الفاشلة التي لم تؤسس إلا لـ"مشروع وطن" محكوم بالفشل، في ظل تعدد الهويات والانتماءات والتبعيات التي تصبغ ثقافة عيش جماعات وطوائف تختلف حتى النخاع في تأويل الهوية الوطنية، وتنطلق في ذلك من ارتباطات مترامية عند حدود أكثر من أمة ودولة؟!

