هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز
يومًا بعد يوم، يزداد المشهد السياسي اللبناني سوداوية، منذرًا باستعصاء الأزمة على أي حلول قد ترتسم في الأُفُقَيْن الإقليمي والمحلي. فالرغبة الخارجية باجتراح هذه الحلول تبدو خجولةً حتى لا نقول معدومة، فكيف إذا كانت مصحوبةَ بغياب القدرة العملانية لاجتراح صيغة تفضي إلى حلّ أو ربما "مشروع حلّ" في ظل طفرة المشاريع غير المثمرة، وغير الناجعة والتي تبقى أسيرة "كليشيهات" مبتذلة لعواصم القرارات الخارجية المعنية بالشأن اللبناني ألا وهي "عدم التدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية".
فيما يقابل هذا التوجه الخارجي عدم رغبة داخلية من "الجماعات اللبنانية"، وليس رجال السياسة اللبنانيين، لإيجاد قواسم مشتركة يمكن البناء عليها من أجل الخروج، في أسرع وقت ممكن، من حال التحلّل الصارخ والمؤلم الذي يفتك بمؤسسات الدولة اللبنانية برمتها، بدءًا بالقطاع المصرفي والمالي والنقدي، مرورًا بالقطاعات التربوية والتعليمية والصحية والاجتماعية والمؤسسات الرسمية والدوائر الحكومية، ووصولاً إلى ما تبقّى من سراب يحاكي موقع حاكمية مصرف لبنان وقيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي...
وأمام هذا الواقع المأزوم، وفي ظل حالة الاستعصاء التي تطوف في فلك الأزمة اللبنانية، ينتظر لبنان عودة مبعوث الرئاسة الفرنسية جان إيف لو دريان علّه يأتي بما تعذّر على رئيسه إيمانويل ماكرون فعله أو تحقيقه في مناسبتَيْن متتاليتَيْن، إذ تبقى رئاسة الجمهورية معلّقة على حبل انتظار التواصل الإقليمي والدولي، أكثر من المبادرة المحلية. وهو ما يرجح استمرار عداد الفراغ بالتزايد، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات سلبية إضافية على واقع المؤسسات، وعلى أكثر من استحقاق وملف مالي ونقدي واقتصادي. ذلك أن لا موعد حاسمًا لزيارة لودريان، خصوصًا أن جولته الشرق أوسطية الممهّدة لعودته مجددًا إلى لبنان غير محسومة التواريخ والنتائج، إضافةً إلى تعيينه رئيسًا للوكالة الفرنسية لتطوير مدينة "العُلا" في المملكة العربية السعودية، بدءًا من شهر أيلول/سبتمبر المقبل، الأمر الذي قد يقلّل من إمكانية اهتمامه بالملف اللبناني.
في هذا السياق، يبرز رأيان:
- الأول يعوّل على نتائج المشاورات الخارجية وإن تأخرت، طالما أن شبكة الأمان الإقليمية والدولية، ستمنع تأزم الأوضاع في لبنان.
-والثاني، يدعو إلى حراك لبناني-لبناني، يقرّب المسافات والحلول، ويترافق مع الضوء الأخضر الخارجي. ما يعيدنا بالذاكرة إلى ملف ترسيم الحدود البحرية، حيث سرّعت الحرب الروسية على أوكرانيا التفاوضَ والتوقيعَ على الاتفاق في حينه.
في المحصّلة، يبقى السؤال الأوسع: ما الذي يضمن سلوك التفاهمات والتطبيعات الخارجية، الإقليمية والدولية، طريقها نحو لبنان الذي ينتظر على صفيح ساخن ينذر بتفجير الوضع الأمني في أكثر من سيناريو، خصوصًا أن الخارج يولي الملفات الأمنية والاقتصادية البينية، بالإضافة إلى المصالح المشتركة، أولويةً قصوى على حساب الأزمة اللبنانية؟ وما هو "ستاتيكو" الوقت الضائع الذي قد يخرج لبنان من عزلته الدولية ويحرّره من دوّامة الفراغ الذي يتمدد شيئًا فشيئًا في شرايين ما تبقى من دولة؟!

