كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
يواصلُ لبنان انهياره، وقد سقط في الهوّة، وهو أمام هزّة جديدة مُرتبطة بمصرف لبنان، الّذي مضى على إنشائه نحو ٦٠ عامًا، بعد أن كان مشتركًا مع سوريا ب "مصرف لبنان وسوريا"، إذ كان إنشاءُ مصرف لبنان، من ضمن الإصلاحات الّتي عمل عليها الرّئيس فؤاد شهاب الذي عيّن أحد مساعديه الياس سركيس أوّل حاكم للمصرف في العام ١٩٦٤، ومنه انتقل إلى رئاسة الجمهورية في العام ١٩٧٦، بعد أن خسرَ أمام الرئيس سليمان فرنجية على صوتٍ واحدٍ في العام ١٩٧٠.
ومنذُ سركيس توالى على حاكميّة مصرف لبنان إضافة إلى سركيس كلّ من: ميشال خوري، إدمون نعيم ورياض سلامة، الّذي يتولّى هذا المنصب منذ العام ١٩٩٣، ولثلاثين سنة مُتتالية، أتى به الرئيس رفيق الحريري مع تسلّمه رئاسة الحكومة في ذلك العام، وهو كان يعمل معه، في حقل المال في مؤسّسة " ميري لانش".
ويعتبرُ سلامة، الحاكم الأطول مدّة في مصرف مركزيّ في العالم، ويعودُ السّبب إلى أنّه أمّن كلّ مطالب الرئيس الحريري، في فرضِ سعر صرفٍ لليرة، لم يكن طبيعيًّا، وليس مُرتبطًا بالاقتصاد، وقد كان خبراء مُعارضون لنهجِ سلامة يؤكّدون، ويحذّرون من سياسته النّقديّة، التي لم تحفّز الإنتاج، بل أنّ الأموال الّتي صُرفت، كانت لصالح الطّبقة السّياسيّة الحاكمة، الّتي خدعت النّاس بالاستقرار النّقدي، وشجّعت على سياسة الإنفاق الاستهلاكي، حيث أمّن مصرف لبنان بفوائد عالية، وعبر "سندات خزينة" تمويلَ الحكومة لغير مشاريع استثماريّة، بل لدفع خدمة الدَّين العامّ الّذي كان يزدادُ سنويًّا، إضافة إلى رواتب موظّفي القطاع العام، والّتي بلغت رقمًا قياسيًّا، ثمّ تأمين عجز تمويل الكهرباء، والّذي ذهب إلى "تجّار الفيول" واستجرار الكهرباء عبر البواخر.
فعلى مدى ثلاثين عامًا، قامت ثلاثيّة الحكومة ومصرف لبنان والمصارف، وهي الّتي أوصلت إلى الأزمة الماليّة، وهبوط سعر صرف اللّيرة الّتي تآكلت قيمتها بنحو ٩٠% من القدرة الشّرائيّة للمواطنين.
وخلالَ تلك الفترة كان سلامة يحظى بدعم الرّئيس رفيق الحريري، الذي كان يؤمّن له مصالحه، وفقَ ما كان معارضون للحريري يذكرون، إذ توسّع نفوذ سلامة في لبنان، وبات اسمه مرشّحًا دائمًا لرئاسة الجمهوريّة، فوضع نفسه بتصرّف السّياسيّين، لا سيّما النّافذين منهم، فأمّن وظائف لمحاسبيهم، حيث تُعتبر رواتب موظّفي مصرف لبنان، الأعلى في لبنان، بأضعاف ما بتقاضاه موظّفون آخرون، إضافة إلى ما يحصلون عليه من قروضٍ ومنح إلخ...
من هنا نشأَ ما سمّاه معارضون لسلامة وأدائه ب "حزب المصرف" الّذي تغلغلَ في الحياة السّياسيّة، ودخل إلى بعض وسائل الإعلام وإعلاميّون يروّجون له على أنّه الحاكم المالي الأنجح في العالم، فنال على ذلك جوائز، دون أن يسأله نوّابه، الّذين كان الزّعماء السّياسيّون - الطّائفيّون يسمّونهم، عن أدائه، فلم يُسمع لهم صوت، سوى دعوتهم إلى الاستقالة، إذا لم يعيّن حاكم لمصرف لبنان، لأنّهم لا يريدون أن يتحمّلوا مسؤوليّة ما حصل من سلامة وأدّى إلى هذا الانهيار، وسرقة أموال المودعين، حيث يرى معارضون لسلامة وبقائه في منصبه، بأنّ نوّاب الحاكم، تحرّكوا سياسيًّا، من قبل مرجعيّاتهم، للتّمديد لسلامة، الذي غطّاه الرئيس نجيب ميقاتي، عندما أكّد بأنّه "لا يُصرف الضّابط من عمله أثناء المعركة"، ليعود فيتراجع عن دعوته بأنّه سيمدّد له بعد اتفق مع الرئيس نبيه بري، الّذي واجهه "حزب الله"، بأنّه يرفضُ تعيينَ سلامة أو التّمديد له، وهو مارسَهُ مع المدير العام للأمن العام اللّواء عباس ابراهيم الذي كان مُطمئنًّا بالتّمديد له، فحصلَ تباينٌ بين برّي و "حزب الله"، وهي المرّة الأولى الّتي يظهر فيها إلى العلن، وأعاد التّقارب بين "حزب الله" و "التّيار الوطنيّ الحرّ"، الّذي يخوض معركة ضدّ سلامة في السّياسة والقضاء في لبنان والخارج، إضافة إلى أنّ القوى المسيحيّة ترفضُ تعيين البديل لسلامة في ظلّ الشّغور في رئاسة الجمهوريّة.
من هنا، ومع اقتراب نهاية تمّوز، حيث تنتهي ولايةُ سلامة، فإنّ الاتفاقَ على البديل لم يحصل، وزادَ الأمرَ تعقيدًا، بأنّ نائب الحاكم الأوّل وسيم منصوري، رفضَ تسلّم مهام وصلاحيّات الحاكم وفق المادة ٢٥ من قانون النّقد والتّسليف، وزاد الأمر تعقيدًا أنّ البثّ باستقالة نوّاب الحاكم الأربعة منصوري وبشير يقظان وسليم شاهين والكسندر مراديان تعود إلى مجلس الوزراء، إذا أصرّوا عليها، وهذا أمر معقّد أيضًا مع ضيق الوقت، وفق ما نصّت عليه المادة ٢٤ من القانون، وهذا سيضع مصرف لبنان أمام فوضى إداريّة، حول لمن ستعود الصّلاحيّات، في ظلّ احتمال إلغاء "منصّة صيرفة" التي كانت تضع السّوق في حالة فلتان، ولا يعود لسعر صرف الليرة سقفٌ.
فتاريخُ ٣١ تمّوز مفصليٌّ في الوضع الماليّ في لبنان، بالرّغم من الانهيار الحاصل فيه، إلّا أنّه من دون وجود مرجعيّة في مصرف لبنان، يكون اللّبنانيّون أمام كارثةٍ جديدةٍ... .

