مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
ليس ثمّة شك أن إسرائيل هي"الطفل" المدلّل لدى الولايات المتحدة الأميركية التي تولّت رعايتها بالكامل بعد الحرب العالمية الثانية وأفول نجم المملكة البريطانية العظمى، لكن ما يعتري العلاقة من جفاء بين قادة البلدين وصل إلى مستوى غير معهود من قبل، خصوصاً أن جزءًا منه متصل بمحاولة "العم سام" إكمال عملية تطبيع علاقات إسرائيل مع محيطها العربي.
لقد توجّه الرئيس الأميركي جو بايدن في مقابلة له مع قناة (CNN) الأميركية، يوم الأحد الفائت، بكلامٍ قاسٍٍ إلى رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ، وبدلاً من دعوته لزيارة البيت الأبيض فقد دعا الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، وذلك تعبيراً عن امتعاض إدارة بايدن وحزبه الديمقراطي من سياسة إسرائيل الداخلية، سواء تجاه الإسرائيليين أو تجاه الفلسطينيين، وخلافاً للمعتاد، حيث جرت العادة أن توجّه الدعوة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بعد تشكيلها مباشرةً لتكون واشنطن وجهته الخارجية الأولى.
وبالمناسبة، فإن الرئيس بايدن ليس مغرمًا بتصعيد الخلاف مع الكيان العبري، وهو من السّاسة الأميركيين التاريخيين المعروفين، والمشهود لهم بدعمهم لإسرائيل، وحينما يتحدث عن الأخيرة يأتي كلامه عصارة تجربة عمرها يفوق النصفَ قرنٍ، حيث قال لمحدّثه فريد زكريا عبر شاشة CNN : " إن حكومة نتنياهو تضمّ أعضاء في المجلس الوزاري المصغّر (الكابينيت) هم أكثرُ تطرفاً من كل المتطرّفين الذين رأيتهم في حياتي ، وأعود بالزمن إلى غولدا مئير ومَن جاء بعدَها، وأرى أن بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير هما أكثر تطرّفاً، وهما جزء من المشكلة المستجدّة في الضفة الغربية اليوم ".
وحقيقة الأمر، أن الرئيس الأميركي يتعرّض لضغوط داخلية من أكثر من منظمة يهودية تؤمن "بديمقراطية إسرائيل" وترفض ما يسمى "بالإصلاحات القضائية" داخل الكيان أو المسّ بصلاحيات المحكمة العليا لصالح الحكومة المتطرفة، ولهذه المنظمات تأثير كبير على الناخب اليهودي في الولايات المتحدة. كذلك فإن الحزبَ الديمقراطي الأمريكي يضغط في نفس الاتجاه، إضافةً إلى موضوع الاستيطان المتفلّت من عقاله، والذي سوف يقضي على ما تبقّى من أمل فيما يسمى "بحلّ الدّولتين"، والذي طالما أكّد عليه شاغلو البيت الأبيض من الحزب الديمقراطي.
لقد "أصبح نتنياهو شخصيةً غيرَ مرغوبٍ بها في واشنطن. وقد بدأ هذا الأسلوب في التعاطي معه كتصفية حسابٍ قديم على ما فعله قبل سنين مع أوباما وبايدن نفسه بعد سجوده للجناح الأكثر تطرفاً في الحزب الجمهوري،ثم تحول إلى ضغينةٍ على الحاضر، نتيجة قرار السماح لبتسلئيل سموتريتش (وزير المالية) بأن يقيم مستوطنات في كل مكان، ونتيجة التصريحات غير المسؤولة لوزراء الحكومة، بينهم وزير الخارجية، إيلي كوهين" حسب قول الكاتب في "يديعوت أحرنوت " ناحوم برنياع.
و"حل الدولتين" بات أمرًا مرتبطًا في سعي إدارة بايدن لتسيير عملية التطبيع بين الكيان العبري والمملكة السعودية، حيث قال بايدن في المقابلة نفسها مع (CNN) : "إن إسرائيل والسعودية لا تزالان بعيدتين عن إمكانية تطبيع العلاقات الثنائية بينهما" ، وأشار إلى "طريق طويلة" أمام التطبيع بين تل أبيب والرياض"، خصوصاً أن ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان يضع "حل الدولتين" على رأس قائمة شروطه لتطبيع العلاقات مع إسرائيل انطلاقاً من مبادرة السلام التي أطلقتها القمة العربية في بيروت عام ٢٠٠٢، إضافة إلى شروط أخرى تتعلق بالعلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الجديرِ ذكرُه هنا، إضافةً إلى شروط ابن سلمان، أن ثمةَ مانعٌ للتطبيع مع إسرائيل يتعلق بالملك سلمان بن عبد العزيز شخصياً، غير متداول في الإعلام، وهو أن الأخيرَ لن يوقّع اتفاقيةَ سلام مع إسرائيل طالما هو حيّ يُرزق، ويشغل منصب خادم الحرمين الشريفين.
خلاصة القول، لا ينقص الرئيس الأميركي مشاكل في الشرق الأوسط لكي تضافَ إليها مشاكلُ حكومةٍ متطرّفةٍ على شاكلة حكومة نتنياهو، علماً أن كلَّ حكومات العدوّ متطرفة ومعتدية على العرب وقضيتهم المركزية (القضية الفلسطينية)، إذ تسعى إدارة بايدن إلى ترتيب أوضاع حلفائها في المنطقة للحفاظ على حد أدنى من السلام والاستقرار، مما يتيح لها التفرّغ لصراعها وتنافسها الاستراتيجي مع التّنّين الصّيني، وقيادتها للحرب الأوكرانية في مواجهة الدب الروسي


