هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
بعد عام من الصدّ والردّ، قضي الأمر ، إذ بات الطريق أمام السويد معبّدًا للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، إثر إزالة ما كانت تركيا قد وضعته من عراقيل.
ليست السويد وحدها من كسبت بل أيضًا تركيا خرجت بدورها بجملة انتصارات. فما هي التفاصيل؟
بعد قمة ثلاثية جمعت الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون والأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ على هامش قمة الناتو في فيلنيوس بليتوانيا، أعلن ستولتنبرغ أن إردوغان وافق على إحالة بروتوكول انضمام السويد إلى مجلس الأمة التركي في أقرب وقت ممكن، والعمل عن كثب مع المجلس لضمان التصديق عليه. لكن قبل هذا اللقاء بقليل، اجتمع إردوغان برئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل ليتّفق الرجلان على إعادة تنشيط العلاقات بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، نقلت وكالة بلومبيرغ عن مسؤول تركي قوله إن مسؤولي الاتحاد الأوروبي وافقوا على تسريع مفاوضات عضوية أنقرة في التكتل الأوروبي، وإنَّ المفاوضات تشمل تحديث الاتحاد الجمركي الذي يضمّ تركيا والاتحاد الأوروبي، ورفع التأشيرات عن المواطنين الأتراك.
وبناء على ما حصل، خرج الجميع سعداء، على ما يبدو، حتى أن الأميركيين لم يخفوا امتنانهم لما حدث، إذ سارع الرئيس الأميركي جوزف بايدن لإظهار استعداده لتعزيز التعاون مع تركيا في مجال الدفاع والردع في المنطقة الأوروبية-الأطلسية. وتبع ذلك لقاء جمع بايدن وإردوغان في فيلنيوس تم الاتفاق في خلاله على فتح صفحة جديدة في العلاقات الأميركية-التركية، كما دعا الرئيس التركي نظيره الأميركي للتشاور في نطاق الآلية الاستراتيجية بين البلدين.
يذكر أنه كان قد سبق ذلك موافقة تركيا، قبل أشهر، على انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، فيما ظلت تركيا والمجر الدولتين الوحيدتين في الحلف اللتين تعارضان عضوية السويد، رغم إعلان ستوكهولم أنها قامت بما يتوجب عليها بموجب اتفاق مدريد الثلاثي، بما في ذلك تعديل دستورها واعتماد قانون جديد لمكافحة الإرهاب، وتسليم مطلوبين لأنقرة، إلا أنَّ الأخيرة ترى أن تعديل القوانين لا يكفي.
وبعد تمسّك إردوغان بموقفه الرافض لعضوية السويد في حلف شمال الأطلسي "الناتو" حتى اللحظات الأخيرة، وافق في قمة فيلنيوس على المطلب الذي يدعمه الغرب. وهنا يبرز سؤال جوهري حول كيفية استغلال الرئيس التركي لورقة السويد في تحقيق مكاسب لتركيا بعد مسار طويل وشاق استغرق قرابة العام سنذكرها في تسع نقاط:
- حصول تركيا على الحد الأعلى مما يمكن تحصيله من مصالح في مثل هذه الظروف، بعدما شكّلت عملية انضمام السويد إلى حلف الناتو فرصة ذهبية لأنقرة للمناورة في اتجاهات عدة أسفرت عن العديد من المكاسب.
- إظهار تركيا كدولة تعاني من الإرهاب وتحاربه، والتسليم بذلك من قبل الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي "الناتو".
- إصدار كل من تركيا والسويد و"الناتو" بيانًا ثلاثيًا مشتركًا، عقب القمة الثلاثية الاثنين الماضي، تعهدت فيه السويد بمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره وعدم دعم التنظيمات التي تصنّفها تركيا على قوائم الإرهاب، ولا سيما وحدات الحماية الكردية في سوريا، فضلاً عن الدعم المزعوم لحزب العمال الكردستاني PKK المحظور، وهو تنظيم مصنّف على أنه إرهابي من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. كما تنظر أنقرة بقلق لاحتضان ستوكهولم لعدد من نشطاء حركة فتح الله غولن، المتهمة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في العام 2016، في خطوة تمثّل إقرارًا من الحلف ومعه أوروبا وأميركا بوجهة نظر تركيا تجاه هذا التنظيم بعد نزاع طويل بشأنه.
- إتفاق تركيا والسويد على مواصلة التعاون في إطار كل من الآلية الثلاثية المشتركة الدائمة التي أُنشئت في قمة الحلف في العاصمة الإسبانية مدريد عام 2022، وآلية أمنية ثنائية جديدة تشكل مجموعات عمل مناسبة تجتمع سنويًا على المستوى الوزاري.
- تعهّد السويد بتقديمها، خلال الاجتماع الأول للجنة الأمنية، خارطةَ طريق للتنفيذ الكامل لجميع بنود المذكرة الثلاثية، بما في ذلك المادة 4 كأساس لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره.
- رغم أن مدى تطبيق هذه الالتزامات سيكون محل نقاش، فإن ما تم التوصل إليه يبقى نصرًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا كبيرًا لتركيا، ذلك أن تمكّن تركيا من فرض آلية أمنية مشتركة مع الدول الأوروبية ليس بالأمر اليسير.
- تعهّد السويد بدعم جهود إعادة إحياء مسار عضوية تركيا في الاتحاد، في خطوة ذكّرت أنقرة من خلالها بمظلوميتها في هذا الصدد، علمًا أن المكاسب هنا قد تقتصر على إجراءات مثل تحرير التأشيرات، أوالحصول على تسهيلات كبيرة في هذا السياق على الأقل.
- حصول تركيا على تعهّد أميركي بتمرير إدارة بايدن صفقة بيعها طائرات "إف-16" الحديثة بعد مماطلة طويلة، وهو تعهد يكتسب قوته من أن بايدن يملك صلاحيات اتخاذ قرار في هذا الشأن دون الرجوع إلى الكونغرس.
- تحويل تركيا من موقع الدولة المحاصرة والمنبوذة إلى الدولة المرنة والإيجابية الحريصة على مصلحة الناتو، ولا سيما أن بعض الدول في الحلف كانت تطالب قبل سنوات بإخراجها من الناتو، وبذلك عادت تركيا لتحتل مكانتها في صدارة الدول الرئيسية في الحلف التي لا يمكن الاستغناء عنها.
وبناء على ما تقدّم، ذهبت صحيفة "دوما" البلغارية إلى وصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان "بتاجر محترف في بازار اسطنبول يحتال بدهاء على سياح أغبياء "، في إشارة واضحة إلى أنه رغم موافقة إردوغان أخيرًا على انضمام السويد لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، فإنه من المرجح أن لا يصادق البرلمان التركي على الطلب قبل الخريف المقبل، بحكم العطلة الصيفية. إذ يبقى حدوث المصادقة قبل ذلك غير ممكن إلا في حالة تنظيم جلسة استثنائية لهذا الغرض.
في المحصلة، لم يكن تعليق صحيفة "دوما" الاشتراكية البلغارية في 12 تموز/يوليو من فراغ! إذ بعد بضع ساعات من المحادثات مع كل من السويد والمجلس الأوروبي والناتو وبايدن، خرج إردوغان، بعد أن ضغط بكل ثقله على كل أولئك الذين يلعبون أدوار السياح السذّج، حتى لا نستخدم العبارة النابية التي استخدمتها الصحيفة، بمجموعة واسعة من المكاسب والتحديثات وفتح القنوات الجمركية والأمنية والتجارية والاقتصادية، في حين قدمّت السويد كل هذه التنازلات التي شوّهت صورتها كدولة ديمقراطية من الدرجة الأولى ليقتصر مكسبها الوحيد على وعد بلا كلفة يقضي بمنح البرلمان التركي العضوية المطلوبة لستوكهولم في حلف الناتو !


