أكرم حمدان -خاصّ الأفضل نيوز
يزعم العديد من القوى والأطراف والأحزاب اللبنانية ، بأنهم سياديون ويرفضون التدخلات والإملاءات الخارجية عليهم والتأثير في قراراتهم ومواقفهم ، ولكن للأسف الشديد تبرهن التجارب والوقائع أن قلة قليلة جداً ، لكي لا نُعمم من يُمكن أن يتمع بهذه الصفة أو يتمتع بالاستقلالية ، كما أن الأحداث وكيفية التعامل معها ، تُثبت صحة ما نقول وزيف أو عدم دقة ما يقولون.
آخر تجليات المواقف والأحداث التي تمس صميم السيادة ، برزت في مسألتين أو موقفين صارخين، الأول من خلال القرار الذي اتخذه البرلمان الأوروبي بشأن إبقاء النازحين السوريين في لبنان ، والثاني من خلال الخطاب الذي ألقته السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريو بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في قصرالصنوبر.
وقد تبع هذين الحدثين بيان المجموعة الخماسية التي اجتمعت في الدوحة بشأن لبنان وتحدث البيان عن اتخاذ إجراءات ضد من يعرقل انتخاب رئيس الجمهورية، والذي اعتبر رسالة تحذير عامة لجميع الأطراف اللبنانية.
وتضم المجموعة ممثلين عن السعودية ومصر وأميركا وفرنسا وقطر التي تتواصل بدورها مع طهران، من أجل إيجاد الحلول لأزمات لبنان السياسية والاقتصادية والمالية.
هذه الوقائع ، وقبلها وبعدها الانتهاكات والاعتداءات الصهيونية البرية والبحرية والجوية واحتلال الأرض ، كلها تأكيدات عملية على "حماية السيادة" من قبل القوى السياسية ، ولا سيما من ترفع شعار "السيادة".
في هذا المقال سنكتفي بوقائع قرار البرلمان الأوروبي وخطاب السفيرة الفرنسية ، لعل في ذلك تذكير لأصحاب الشعارات والرايات بأن دورهم ليس فقط برفع الشعار وإنما بترجمته عملياً.
فقد برهن قرار البرلمان الأوروبي، عن الخلفية الاستعمارية والعنصرية التي يتم التعامل بها مع لبنان ، كما عبر عن طريقة تعامل دول الانتداب والوصاية ، خصوصاً الدول الأوروبية التي تتذرع بحقوق الإنسان التي يمثلها اللاجئون السوريون وأوضاعهم الإنسانية.
كثيرة هي المعايير التي ترفض الدول الأوروبية تطبيقها عندها، وتفرضها على لبنان وغيره بهدف استعمال هذه الورقة للضغط السياسي والسكاني والأمني والإجتماعي.فهناك معلومات تقول بأن الأردن تبلغ توجه الأمم المتحدة لوقف المساعدات للنازحين، كما أن هناك طلبات تقدمت بها بعض المؤسسات الدولية للسماح للنازحين السوريين بالعمل في لبنان بشكل رسمي، وهناك تهديدات من المؤسسات الدولية للقطاع التربوي بضرورة فتح أبوابها للطلاب السوريين خلال الصباح تحت طائلة وقف كل المساعدات للقطاع...فأين حقوق الإنسان والحريات في هكذا ممارسات؟؟
بالموازاة ، سطرت السفيرة الفرنسية ما يُمكن وصفه بمضبطة اتهام أو جردة "تربيح جميلة" للبنانيين عموماً ولبعض المؤسسات الرسمية والخاصة خصوصاً، فهي قالت :"أين كنتم اليوم لو أن فرنسا لم تحتضن، مع شركائها، قواكم الأمنية؟ أين كنتم اليوم لو أن فرنسا لم تحشد جهود المجتمع الدولي ثلاث مرات متتالية لتجنّبكم انهيارًا عنيفاً تحت وطأة الإفلاس المالي وتدهور الليرة والانفجار في مرفأ بيروت؟
أين كنتم اليوم لو أنّ فرنسا لم تهب على وجه السرعة لدعم مدارسكم كَي لا تغلق أبوابها، لاسيما المدارس الخاصة، والمسيحية منها بشكل خاص،التي تستقبل حوالي ثلثي التلاميذ اللبنانيين؟أين كنتم اليوم لولم تساهم فرنسا في تمويل عمل المستوصفات والمستشفيات وبرامج الأمن الغذائي كي يستمرّ اللبنانيّون الذين يعانون من الأزمة بالحصول على رعاية صحّيّة ذات جودة وتغذية صحيحة؟”.
وترافقت هذه اللهجة واللغة مع الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السفارة الفرنسية للتعامل مع المشاركين والمدعوِّين.
لقد تابعنا العديد من ردود الأفعال والمواقف النيابية والوزارية والحزبية ، تجاه الحدثين، لكننا حتى اليوم لم نشهد موقفاً أو اجتماعاً رسمياً من قبل الحكومة أو مجلس النواب، وبحجج مختلفة وواهية لها علاقة ، بالصلاحيات أو الأولويات ، بينما انتهاك السيادة والكرامة الوطنية ، لا يبدو أنه أولوية كما يجب عند بعض القوى والأطراف التي ترفع أصلاً شعار السيادة والاستقلال .فسفير الاتحاد الأوروبي لدى لبنان رالف طراف كشف أمام المجلس الأوروبي معطيات هامة في ملف النزوح، منها على سبيل المثال أنّه ليس كل النازحين السوريين في لبنان بحاجة إلى الحماية السياسية، التي تعتمدها مفوضية اللاجئين حيال إعطاء صفة "لاجئ"، ومن هؤلاء السوريين عمال موسميون أو مهاجرون اقتصاديون، وبالتالي لا يجب اعتبارهم لاجئين ولا حق لهم في المساعدات التي حصلوا عليها.
لكن المواقف اللبنانية التي وصفت كلا الحدثين بأنهما يعبران عن ذهنية استعمارية بالتعاطي مع سيادة دولة مستقلة، لم ترتق إلى المستوى المطلوب والذي يستدعي تنحية الخلافات جانباً ورفع الصوت برفض موقف دول الانتداب الجديد.
ثم متى يحين الوقت الذي سيبرهن فيه المسؤولون بأنهم لن يتعاطوا مع الآخرين إلا من موقع الندّية والكرامة الوطنية؟؟.
فالسيادة والحرية والاستقلال مفهوم متكامل لا يجوز التعامل معه بالمفرق .


