يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز.
لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو، التي قادها تنظيم الضبّاط الأحرار في مصرَ الشقيقة عامَ ١٩٥٢، مجرّدَ حدثٍ تاريخيّّ عابرٍ في حياةِ مصرَ والأمَّةِ العربية وأفريقيا والعالم الثالث، وإنما كانت ولا تزال محطةً نستلهمُ من دروسِها العِبَرَ، ومنارةً تضيء أمامَنا الدَّربَ في غياهب الظّلمات، وبوصلةَ طريق لكل إقليمٍ عربي يسعى إلى النهوض والتّحرّر من قيود الفساد والإقطاع وهيمنة قوى الاحتلال والاستعمار.
لقد جاءت ثورة الضباط الأحرار في موعدِها مع القدر كما قال القائد الخالد جمال عبد الناصر لتخلّصَ الإنسانَ المصريّ من الاستغلال والعبودية أولاَ، ومن الجهل والتخلف والتَّبَعيةِ للاستعمار، بعدَ أن كان "مجتمع الطّبقةِ " أو مجتمع " النّصف بالمئة" يمثّل الإقطاع ويهيمن على أرزاق الناس ويتحكم بمصائرهم خلافاً لتعاليم الشرائع السماويّة وأحكام المواثيق الإنسانية والدّولية، فكانت ثورةً وطنيةً بيضاء لم تتلوّث بالدماء، ولم تسهم بالتخريب والدمار، ولا ارتبطت بمصالح الأجنبي وأطماعه أو تلقّت تمويلاً من هنا أو هناك سعياً إلى التقسيم وتحطيم القدرات، ولا استدعت الاحتلال، كما حدث فيما يسمى ظلماً وبهتاناً وزوراً : " ثورات الربيع العربي".
لقد انطلقت ثورةُ يوليو من حاجات المجتمع المصري والعربي لكي تعالج مشكلاته وتنهض بالوطن والأمة معاً، فبعد أن كان التعليم حكراً على " أبناء الذّوات " صار بإمكان كل فقير أن يتعلم وبنيت المدارس والجامعات الرائدة، وبعد أن كان العمال يباعون مع الأرض كالعبيد من باشا إلى باشا صاروا شركاء في عملية الإنتاج، يتملك كل منهم خمسة فدادين، ويساهمون في المصانع والمعامل فيأخذون نسبة من الربح، وصارت قناة السويس التي حفرها أجدادُهم ملكاً لهم، وصار السد العالي الذي يروي أراضيهم مدعاةَ فخرهم واعتزازهم كالإصلاح الزراعي والخطة الخمسية، وصاروا يتغنون بالمصانع والمعامل، ويتباهون بقائد ثائرٍ حرٍّ نشأ في قرية بني مرّ بأسيوط ويردّدون قوله : إرفع رأسَكَ يا أخي لقد ولى زمنُ الذُّلِّ والعبودية "، لأنه واحدٌ منهم، يستشعر معاناتهم ويضيمه ما يضيمهم، لأنه البكباشي جمال عبد الناصر حسين الذي يعرفون صدقه وأمانته وإخلاصه في القول والعمل.
ألغت الثورةُ الألقابَ وأخذت من كل باشا ما ليسَ له بحق لتعطي حقَّ كل فقير في البلد، ونفت الملك فاروق دون أن تقتلَه، حيث كان الرأي الراجح السديد في مجلس قيادة الثورة هو رأي عبد الناصر الذي رفض إعدامَ الملك أو محاكمته حتى وقال : ( إذا كنتم تريدون محاكمته فلماذا أصدرتم حكم الإعدام مسبقاً، وإذا كنتم ستعدمونه فلماذا تحاكمونه "، ولأن الثورةَ كانت بيضاء تقبلتها الجماهير ولاقتها إلى منتصف الطريق لتشقَّ طريقَها بين الجموع المصرية والعربية بكل ثقة ونجاح، ولتغدو معشوقةَ كل إنسان حرّ، وتتوجَّه في وقت قياسي إلى أهدافٍ كبيرة كدعم حركات التحرّر والاستقلال في الوطن العربي وفي العالم الثالث، والحياد الإيجابي في الصراع بين حلف وارسو وحلف الناتو، والذي كان عنوان مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فسطع نجمُ عبد الناصر في مؤتمر عدم الانحياز في باندونغ عام ١٩٥٥ مع جوزيف تيتو وجواهر لال نهرو، وصار مثالاً وقدوةً لكل أحرار العالم.
أما مبادئ ثورة الثالث والعشرين من يوليو السّتْة فكانت : ( القضاء على الاستعمار وأعوانه، القضاء على الفساد والاحتكار، القضاء على الإقطاع وهيمنة رأس المال، إقامة جيش وطني، إقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة) ..
وعندما نستعرض هذه المبادئ العظيمة نرى أنها لا تزال صالحةً اليوم للنهوض بكل إقليم عربي، وهي تمثل العلاجَ الناجعَ للأمراض التي ألمَّت بجسد الأمة العربية منذ أن اكتشفت نفسها كأمةٍ بعدَ انهيار السلطنة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وقد تُركت لقَدَرِها تتخبط في الضياع والظلمات جائعةً مريضةً كناقةٍ ضلّت الطريقَ في الصحراء.
وإذا ما أضيفَ إلى المبادئ السّتة أهداف الاتحاد الاشتراكي العربي، الذي أسّس له عبدُ الناصر مداميكه الأولى، والمتمثلة بالحرّية والاشتراكية والوحدة، فيمكننا القول إن تشخيصَ المرض كان صحيحاً والعلاج كان ناجعاً والطبيب كان ماهراً، فلماذا تعدّدت أيدي الأطباء فيما بعد؟ ولماذا تغيَّرت الوصفة والدواء؟ وهل الأدوية الأجنبية كانت ملائمةً؟ أم أنها كانت سموماً ومخدراتٍ لجسد الأمةِ الحسناء؟
لقد ابتُلِيَت هذه الأمةُ بالاستبداد والاستعمار : استبداد الحاكمين في داخلها، وأطماع المستعمرين من خارجها، وقد تطبَّع الناس فيها بطبائع الاستبداد في الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة حتى صاروا يتقبّلون كلَّ هزيمةٍ ويتلذّذون بالاضطهاد والعذاب كالسادِيّين والسّاداتيين الأذِلّاء، ولا يتصرفون كالسادة الكرام، ولا يرونَ ضيراً في تحكّم الأجنبي وفق أهوائه ومصالحه حتى لو كان الأجنبيُّ احتلالاً مباشراَ لأرضهم وممتلكاتهم ومقدّساتهم، وانقسموا بين ثلاث فئات : فئة المقرّبين التي تعيش كالطفيليات في محيط قصر الحاكم، تمَجّده كل صباح ومساء وتلهو بالغنائم والمباهج والمغريات عن كل هدف نبيل أو فكرة بناءة، وفئة المبعَدين الذين غضبَ القصرُ عليهم فجنحَ كثير منهم إلى التحالف مع أعداء القصر ولم يفرّقوا بين عدوّ القصر وعدوّ الأمة والناس أجمعين ، وفئة الضائعين الذين لا يعنيهم أمر الأمة وقضاياها المحقّة أو لا يستطيعون الحراك لجهلهم وافتقارهم وخوفهم من عواقب التحرك والتحرر. كأنَّ هؤلاء المواطنين على اختلاف فئاتهم ومواقعهم لم يقرأوا أو يسمعوا قول النبيّ العرَبي صلى الله عليه وسلَّم : ( والذي نفسُ محمدٍ بيده لن تؤتى هذه الأمةُ إلا من داخِلِها)؟؟؟
ولكن ورغم هذا المشهد السّوداوي الحزين تبقى المقاومةُ هي بقعة الضوء الوحيدة في الظلام الدامس، وتتوالد فئة المقاومة ومناصروها في كل حين لترتبط بالأمة وتتجذّر بالأرض وتدافع عن المقدّسات وتبذل الجهود والتضحيات، وقد كانت جِنين في الآونة الأخيرة مثالاً ساطعاً ونموذجاً يقتدى به في الثبات والرفض والعناد والشموخ والإباء حتى أعادت إلى الإنسان العربي ثقته بنفسه وإمكاناته، وكانت بحقٍّ ترجمةً عمليةً لأفكار ثورة يوليو المجيدة.
فالمجد لجنين والقدس وغزة وكل أحرار فلسطين الحبيبة، والمجد للبنان وسورية وكل أحرار الأمة العربية، والمجد لنهج المقاومة والشهداء في كل أرض وفي كل حين.

