هنادي السمرا- خاصّ الأفضل نيوز.
دخلت البلاد في مأزق عشية اقتراب انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة نهاية الشهر الحالي، ووسط الخلاف السياسي على إمكانية تعيين بديل عن الحاكم، في ظل الشغور الرئاسي، ومع حكومة تصريف الأعمال، ورغم أن قانون النقد والتسليف يعطي الحق للنائب الأول لحاكم مصرف لبنان بتسلّم المهام وتسيير أعمال مصرف لبنان، إلا أن الأوساط السياسية والنقدية تفاجأت الأسبوع الماضي ببيان صدر عن النواب الأربعة للحاكم، لوّحوا خلاله بالاستقالة من مناصبهم إلا إذا.. حيث قال نواب الحاكم الأربعة وسيم منصوري وبشير يقظان وسليم شاهين وألكسندر مراديان إنه "لا يجوز أن ينسحب مفهوم تصريف الأعمال على السلطة النقدية الأعلى في الدولة".
وأضاف البيان، "نرى من واجبنا التشديد على ضرورة تعيين حاكم جديد عملاً بالمادة 18 من قانون النقد والتسليف في أقرب وقت، وإلا سنضطر إلى اتّخاذ الإجراء الذي نراه مناسباً للمصلحة العامة".
ومع ما تركه هذا البيان من تداعيات على الساحة النقدية والمالية، بدا واضحاً أن الأمر في عهدة السلطة السياسية أكثر كونه في الإجرائية، طالما أن كل الملفات كانت وستبقى تحظى بالغطاء السياسي، ومع ما قاله النواب خلال الاجتماع الذي خصصته لجنة الإدارة والعدل النيابية أن الهدف " هو أن يلقوا آذاناً صاغية من الحكومة، تحديداً حول المرحلة المقبلة، وليس التخلي عن مسؤولياتهم"، كثرت التحليلات عن ما يحصل في المرحلة السابقة لانتهاء الولاية، بين من يطالب نواب الحاكم بالاستقالة إذا كانوا لا يريدون تحمّل المسؤولية، وعليه يكون الخيار إما تعيين بديل عن الحاكم الحالي رياض سلامة - وهو أمر دونه عقبات على قاعدة رفض البعض حضور جلسات الحكومة في ظل الشغور الرئاسي وبالتالي حجب حق رئيس الجمهورية في إبداء رأيه بالتعيينات-، وإما التجديد لسلامة والذي يواجه بمعارضة سياسية من كتل بارزة أيضاً. أما الاحتمال الأخير فهو استقالة النواب وتعيين حارس قضائي.
وما يزيد الطين بلة، الخطة التي أعلن عنها النواب الأربعة خلال اجتماع المجلس النيابي، والتي اعتبرها النواب تعجيزية، وشبيهة بخطة نائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي والذي اكد بالأمس " أن بيان نواب الحاكم منسجم مع خطة الحكومة وما طالبوا به سبق وطالبت به الحكومة.
وتأتي أيضاً خطة صندوق النقد الدولي التي حملت تبرّؤاً من السياسات السابقة من خلال الكشف عن إرسالهم عدةَ كتُبٍ سابقاً إلى الحكومة ووزير المال في حكومة تصريف الأعمال (يوسف الخليل)، نبّهوا فيها إلى مخاطر السياسة النقدية المتبعة ومحاذيرها، ومن خلال الهدر الذي حصل بسبب الدعم والتهريب وغيرهما، و أنّ "النواب قالوا إنهم غير مستعدّين للتعاطي بالطريقة نفسها التي كان يعتمدها حاكم مصرف لبنان".
وحسب المصادر النيابية فإن نواب حاكم مصرف لبنان يطالبون من خلال الورقة التي وُزّعت على النواب بخطة إصلاحية شاملة تبدأ بإقرار موازنة عام 2023، وكذلك موازنة عام 2024 وإعادة هيكلة المصارف وإعادة الانتظام المالي وتحرير سعر الصرف وإقرار الـ"كابيتال كونترول" ومعالجة الفجوة المالية وحماية الودائع إضافةً إلى التعاون بين مصرف لبنان والبرلمان والحكومة في ضبط سوق الدولار، وكل هذه الملفات هي من صلاحيات الحكومة. مع وضع جدول زمني لتنفيذ الخطة، يصل إلى 6 أشهر ومع "ضمان الاستقرار الاجتماعي وحماية القوة الشرائية لموظفي القطاع العام والسكان الأكثر فقراً، والتعاون بين مصرف لبنان ومجلس النواب والحكومة لضبط سوق الدولار، وتحديد سعر الصرف بطريقة "مدارة" على منصة تبادل معترف بها دولياً، بحيث تعكس القيمة الحقيقية لليرة اللبنانية، كما التنسيق بين مصرف لبنان والبرلمان والحكومة لتحسين عمق سوق الصرف الأجنبي.
وتدعو الخطة إلى "إصلاحات مالية كبرى، وإصدار عدد من القوانين التشريعية المالية الإصلاحية التي تتطلبها هذه المرحلة التي تمرّ بها البلاد، واعتماد معايير محددة من شأنها أن تساعد في خلق طلب على الليرة اللبنانية، على أن تلتزم الحكومة والبرلمان بإقرار هذه القوانين وتنفيذها لإعادة بناء الثقة وتأمين إيرادات إضافية من إطار ميزانيتها لسداد القرض المستحق حديثاً".
والخطة يعتبرها البعض بمثابة شروط مسبقة وتعجيزية، وكان النواب الأربعة يرمون الكرة في ملعب المجلس النيابي، وبالتالي يطلبون من مجلس النواب القيام بدور الحكومة، علماً أن دور المجلس هو الرقابة والمحاسبة.
والأهم والأخطر من ذلك طلبٌ وضَعه البعض في خانة استنزاف الاحتياطي الإلزامي بقيمة ٢٠٠ مليون دولار في الشهر وهو بمثابة استدانة استثنائية تجيّر للحكومة للصرف على الأمور الطارئة ورواتب القطاع العام، وتتناول ما تبقى من أموال المودعين عبر أخذ ٢٠٠ مليون دولار شهرياً أي مليار و٢٠٠ مليون دولار خلال ستة أشهر ، وهو ما يجابه بالرفض لأن المطلوب خطة لحماية هذا الاحتياطي وعدم السماح بالمس به أولاً، ناهيك عن الحديث عن إلغاء منصة صيرفة التي تؤمن الاستقرار النقدي إلى حد ما، مع تخوف البعض من عدم قدرة الحكومة أصلاً على تسديد ما أخذ من الاحتياطي والذي من المؤكد أنه سيكون على حساب أموال المودعين.
في كل الأحوال، فإنَّ الأسبوع الحالي، أي قبل 31 تموز، حاسم لجهة اتخاذ الخيار المناسب، ومعرفة موقف رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قبل المؤتمر الصحفي لنواب الحاكم الذي تردد أنهم سيعقدونه وهم ينتظرون ما سيقوله ميقاتي لهم ليتخذوا في ضوء ذلك القرار المناسب.
وعلى قاعدة الضرورات تبيح المحظورات،تصبح كل الأمور والخيارات متاحة، في بلد تتفوق فيه القرارات السياسية في كثير من الأحيان، على القوانين والدستور، والمصلحة الوطنية العليا، مع الإشارة إلى أن الحكم استمرار وتسيير المرفق العام، واجب لا خيار.

