ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز.
غريب أمر هذا البلد لبنان حيث يكاد يكون الوحيد على وجه البسيطة الذي لا يمكن للمواطن فيه العيش فيه ولا يمكنه كذلك العيش بدونه.
بعد بضع سنوات على الأزمة الاقتضادية المستفحلة لم تبدأ حتى تاريخه أي خطوة جدية في سبيل المعالجة، في حين وللمفارقة يزدحم البلد بأكمله بالسياح والمغتربين تحديدا بعد صيام دام منذ ال 2019، من عاصمته إلى أقصى الجنوب في صور إلى البقاع والشمال فالجبل، لا صوت يعلو فوق صوت المغترب والسائح الذي يعود لزيارة الأهل والتمتع بصيف لبنان وجماله.
ولكن للأسف فإن هذا الشعب الخلاق الذي ينهض من تحت الرماد، رغم الأزمة، بعد العودة شبه الطبيعية للحياة نتيجة التأقلم والتنطيش الذي يتقنه اللبناني، فإن ثمة خلل جوهري لا يمكن التغاضي عنه أو تجاهله.
وإذا كان يحسب للبناني أنه صاحب صناعة سياحة بالفطرة لناحية المطاعم والفنادق والمنتجعات وكل ما يتعلق السياحة إلا أن التفلت من كل الضوابط بحجة تعويض خسائر السنوات الفائتة لا يمكن أن يستقيم لا منطقيا ولا أخلاقيا لأنه بات يشكل سرقة موصوفة وسلبا بواحا، جعلت الكثير من المغتربين يكتوون مرتين الأولى بنار السلطة التي هجرتهم والثانية نار الأسعار الفلكية التي لا ترحم جيوبهم.
فوزارة السياحة التي تروج للبنان والسياحة فيه تحت شعار أهلا بهالطلة أهلا فاتها أن عليها مهمة أساسية وهي مراقبة الأسعار التي ما تنفك تزداد يوما بعد يوم دون أي رقيب أو حسيب لتتضاعف حسب المزاج والرغبة طالما أن البلد "ملان عالم" حتى تجد أن أبسط جلسة في مطعم من نرجيلة وشراب غازي باتت تساوي أكثر من دخل راتب شهري لموظف حكومي الذي ما زال يئن تحت راتب البضعة دولارات شهريا.
هذا البطر المستجد جعل المغترب يقرف من هذه الطبيعة الاستغلالية لدى المؤسسات السياحية حتى أصبح قضاء يومين في شاليه على البحر يوازي أكثر من ألف دولار إذا ما وجد، في حين أن دولة مثل تركيا حيث ملايين السياح تجد أنها تقدم رحلة خمسة أيام مع تذكرة الطائرة والأوتيل والنقل بأقل من 400 دولار علما أن التبضع هناك أرخص والأسعار جد معقولة.
وهنا يجب توجيه السؤال إلى نقابة أصحاب المؤسسات السياحية وسؤالها عن السبب في هذا الفلتان والجشع الذي لن يؤدي سوى إلى عودة هجرة السياح نحو الوجهات الأرخص في تركيا ومصر وقبرص وغيرها كما كان يحصل قبل الأزمة.
فلماذا لا تعمد إلى هذه النقابات إلى وضع ميثاق شرف وعمل لها بحيث يتم توحيد الأسعار وعقلنتها بما يعود بالإيجاب على القطاع ككل على المدى البعيد؟؟؟
أم أن هذه النقابات يرتفع صوتها فقط في حالات الخواء والهجر،؟؟؟
ألا يستأهل هذا القطاع الاستراتيجي الذي يعود على تلك المؤسسات بالملايين من الدولارات دراسة بسيطة للأسعار بما يجعل المغترب "يعيدها" ويعود؟؟
فعلا إنه لأمر غريب في هذا البلد وفي نفسيات القيمين على القطاع السياحي الذين لا يرون في السائح و المغترب سوى كيس من الدولارات ينبغي نهشها ونشلها بدءا من موقف السيارات مرورا بالدخول إلى الشواطئ المفترض أنها عامة حيث تورمت تلك "الدخولية" وأصبحت خوة وتضاعفت عشرات المرات في السنوات القليلة الماضية وصولا إلى أسعار المشروبات والطعام المبالغ فيها جدا بحيث وصل سعر قنينة مياه إلى 5 دولارات!!!
فهل هذا هو السبيل لديمومة القطاع وعودة السائح الذي لا يجد أمواله على الطرقات بل يكد ويعمل في هجرته وغربته القسرية لكي يحصل على الأموال ويتمكن من قضاء إجازة هادئة في بلده الأم ليفاجئ بتعرضه للسرقة.
أخيرا إذا كانت وزارة السياحة غير قادرة على ضبط التفلت، وإذا كانت الدولة نائمة كعادتها، فعلى الأقل أن يرحم الشعب نفسه كي لا يستحيل القطاع السياحي متفرجا على الطائرات المليئة بالمغتربين تنطلق من مطار بيروت إلى الوجهات المجاورة هربا من لهيب الأسعار!!


