كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
تعقدُ حكومةُ تصريفُ الأعمالِ برئاسةِ نجيب ميقاتي جلسة الاثنين، وعلى جدولِ أعمالها مشروع قانون الموازنة للعام ٢٠٢٣، المتأخّر نحو سنة، وكان يجب أن يقدّم أقلّه نهاية العام الماضي، ليقرّه مجلس النّواب في مطلع العام الحالي لكنّ الوضع الدستوريّ للحكومة، ثمّ الأزمة الماليّة الّتي يعاني منها لبنان، كما في عدم الاستقرار النّقدي، وسعر صرف الليرة، وعدم التّمكّن من انتخاب رئيس للجمهورية، أعطى مبرّرات لتأخير مشروع الموازنة الّتي يتمّ الصّرف على قاعدة الاثني عشريّة.
وسبقَ أن مرّ لبنان لنحو ١١ عامًا دون موازنة، منذ العام ٢٠٠٥، ولم تنتظم إلّا بعد وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، في ٢٠١٦، إلّا أنّ الموازنات كانت تمرّ في مجلس النواب، بمناقشات يغلب عليها طابع "الشغبويّة" و "المزايدات"، لا سيّما إذا كانت الجلسات التي تنقل عبر وسائل الإعلام المرئيّة مباشرة على الهواء، حيث كانت تنتهي المناقشات بعبارة "صدق".
والموازنةُ الّتي بدأت تتسرّبُ عناوينُها وبنودُها، هي للرّسوم والضّرائب، والتي ارتفعت إلى أرقام عالية جدًّا، وأضعاف ما كانت عليه، مع الأخذ بعين الاعتبار التّغيير الذي حصل في سعر صرف الليرة أمام الدولار، من سعر ١٥٠٠ ليرة للدولار الواحد إلى حوالي المئة ألف ليرة، حيث يتحدّث خبراء ماليّون واقتصاديّون، أنّ الموازنة تشبه الحكومة لجهة تصريف الأعمال، وهي موازنة تسيير أعمال الحدّ الأدنى للمؤسّسات الرّسميّة، وتأمين مداخيل لدفع الرّواتب والأجور، بزيادة الرّسوم والضّرائب ليس على ما يسمّى "كماليات"، بل أيضًا على الأساسيّات من حاجات المواطنين وخدماتهم.
وليس من حلول أمام الحكومة التي ينتظرُ رئيسُها، انتخاب رئيس للجمهوريّة، لينقذَ نفسه من أزمة ماليّة - اقتصاديّة - اجتماعيّة، لم تلقَ الحلولَ لها بعد، سواء بالحوار مع صندوق النّقد الدّولي، حيث لم تتوصّل بعد الحكومة إلى قرار توقيع اتفاق معه، إذ توجد أطرافٌ سياسيّة وبعضها مشارك في الحكومة، أن يلتزمَ لبنان بشروط الصّندوق، فيقع بالمزيد من الانهيار، وهذا ما صرّح به مؤخّرًا وليد جنبلاط، مستندًا إلى تجارب مرّت فيها دول، وتدخّل صندوق النّقد، ولم ينقذْها من أزمتها كمصر مثلًا، الّتي لم تستقرّ عملتها الوطنيّة، وقد دعمتها دول بمبالغ ماليّة طائلة، وصلت إلى عشرات مليارات الدولارات، مثل السعودية والإمارات.
فالموازنةُ المقترحةُ من وزارة المال، تصبُّ في إخراج لبنان من "دولة الرّعاية الاجتماعيّة"، وهو امتاز فيها بإنشاء الصّندوق الوطني للضّمان الاجتماعي وتعاونية موظّفي الدّولة، والطّبابة العسكريّة، وصناديق التّعاضد للقضاة والنّقابات، إضافة إلى تعميم المدارس والثّانويّات الرّسميّة وتفريع الجامعة اللبنانية، وتوسيع انتشار المستشفيات الحكومية، لكن كلّ هذه الإنجازات أرهقها الفساد، وعدم وجود أو فاعليّة الرّقابة الرّسميّة، إضافة إلى تقديم المؤسّسات الخاصّة على الرسميّة، فعملت الدولة، على دعم مدارس خاصّة، وإعطاء منح تعليميّة لموظّفي القطاع العام، ومساعدة الجمعيّات، التي كان مرصودًا لها مبلغ ٤٧٥ مليار ليرة في موازنة وزارة الشّؤون الاجتماعيّة، وهذا كلّه بالرّغم من وجود بعض الإيجابيّات، ساهم في عجز دائم في الموازنات التي كانت نفقاتها أكثر من مداخيلها، التي كانت تعوّض بزيادة الرّسوم والضّرائب حيث بات لبنان ليس "جنّة ضرائبيّة" كما أراد الرئيس رفيق الحريري، بل "جهنّم ضرائبيّة" عبر موازنات كانت تتضمّن خدمة الدّين العامّ الّتي بلغت نحو ٦،٥ مليار دولار ورواتب الموظّفين والمُتقاعدين في القطاع العامّ والّتي وصلت إلى نحو ٥،٥ مليار دولار، وعجز الكهرباء الذي بلغ نحو ملياري دولار، وهي أرقام قبل أن تقع الأزمة في العام ٢٠١٩، إذ غابت عن الموازنات المشاريع الاستثماريّة، حيث البنى التّحتيّة في الحضيض، كما أنّ مشاريع بناء معامل كهرباء وسدود وإنشاء طرقات، لم تحصل، وإذا تمّ بناء سدٍّ، فإنّه يتشقّق في ظلّ أزمة مياه، وانقطاع الكهرباء.
فموازنةُ ٢٠٢٣، ليست إنقاذيّة، بل لتعميمِ الفقر أكثر، بانتظار كيف سيُناقشُها مجلسُ النّواب... .

