هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز
تعيش إسرائيل حالة طوارئ غير مسبوقة مع إقرار الكنيست تعديلات بشأن المحكمة العليا، إذ حسم أخيرًا الجدل الذي رافق طرح قانون التعديلات القضائية منذ شهور. فيما ترى الحكومة والمعارضة أن القانون هذا سيحدّد مصير الدولة العبرية، لكن لكل منهما وجهة نظره الخاص به.
"خطر على الديمقراطية"... هكذا يقول معارضو المشروع ويعتبرونه ضربةً قوية للقضاء بغية إضعافه أمام تغوّل السلطة التنفيذية.
في المقابل، يعوّل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الخطة لمنح التحالف اليميني المتطرف السيطرة الكاملة على المشهد وعلى الحكومة في ظل الصراع السياسي وانقسام الشارع وعصيان انتشر، كالنار في الهشيم، في صفوف الجيش، حيث تندلع تظاهرات ضخمة لم تشهدها اسرائيل من ذي قبل يقودها محتجون يتهمهم التحالف الحكومي بأنهم مدفوعون من قبل الرئيس الأميركي جوزف بايدن، الذي يبدو شديد الإهتمام بهذه القضية، إذ، وللمرة الثانية في خلال أسبوع، يحذّر الحكومة الإسرائيلية من مغبة المضي قدمًا في الإصلاحات القضائية.
كما كان الرئيس الأميركي صريحًا بشكل غير عادي حيال الموضوع لدرجة دفعته للقول: " إن هذه التعديلات يمكن أن تقوّض العلاقات بين تل أبيب وواشنطن"، ما يطرح السؤال التالي: لماذا تهتم واشنطن بهذا الملف على نحو مبالغ فيه؟
لا يختلف اثنان حول إبداء الحكومة الأميركية "الديمقراطية" بقيادة بايدن تحفظّها الشديد على ما تحاول حكومة نتنياهو القيام به، خصوصًا أن هناك تخوّفًا حقيقيًّا على مبدأ توازن القوة، بحيث يبدو أن هناك توجهًا حكوميًا إسرائيليًّا لتجويف الدور المناط بالمحكمة الدستورية التي تعتبر صمّام الأمان بين الأداء التنفيذي في الحكومة والأداء التشريعي في الكنيست.
بيد أن هذا التحفظ الأميركي يبقى "تحفظًا ناعمًا" على الرغم من المسافة السياسية التي يحتفظ بها البيت الأبيض من حكومة نتنياهو. إذ نلحظ عدم تلقّي الأخير دعوة لزيارة البيت الأبيض ولا حتى من قبل اصدقائه في الكونغرس الأميركي، بل أكثر من ذلك يمكن القول بأن بايدن لم ينفتح على زيارة إسرائيل إلا في خلال غياب نتنياهو عن المشهد السياسي في الصيف الماضي إبّان فترة رئاسة يائير لابيد للحكومة الإسرائيلية، ما يفسّر أن هناك توجّه أميركي ينطوي على العمل مع المعارضة الإسرائيلية وليس مع حزب الليكود بـ"ثوبه الجديد".
يُعزى التحفظ الأميركي أيضًا إلى أن هناك نوعًا من التعسّف من قبل اليمين المتطرف، خصوصًا أن بايدن عايش مذلات وخطايا اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية إبان حقبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. ما يفسر العزوف الحقيقي عن تشجيع ما يعتبر الآن تطرفًا سياسيًّا يمينيًا سواء داخل الولايات المتحدة أو في اسرائيل وكذلك في أوروبا.
وهنا تبرز دعوة لنتنياهو للتأمل جديًا في مآلات الأمور واتجاهاتها، بمعنى إذا ما تمّ إطلاق الحكومة الإسرائيلية المطعّمة بهذا الكم من الانسيابية والإجراءات التعسفية ربما قد يمنحه جرعة من القوة على المدى القريب إنما لا شك أنها ستضعفه على المدى البعيد. ولعلّ الحديث عن الديمقراطية في إسرائيل يبقى مفتوحًا على الكثير من النقاشات، لكن، وللمرة الأولى، تتجلى الأمور لتوضح أن هناك سطوة من قبل اليمين السياسي وكذلك من قبل الصهيونية الدينية اللذين توحّدا في سبيل إفراغ المشهد السياسي الإسرائيلي من الاعتدال والوسطية وإلغاء دور المعارضة.
ويبرز هنا غياب الضغوط الأميركية الفعلية لثني حكومة نتنياهو من جهة أو ربما لتشجيع المعارضة داخل الكنيست ما يدفع للاستنتاج بأن الموقف الأميركي يقع بين منزلتَيْن، إذا جاز التعبير، تحفّظ علني ناعم يقابل غياب الإجراءات التنفيذية والعملانية للحؤول دون تنفيذ الحكومة الإسرائيلية ما تعتزم القيام به، فضلاً عن الخشية، من عدم التعبير عن موقف أميركي واضح، ما يضعف الصدقية الأميركية التي يحاول بايدن العودة بها إلى الرأي العام والحفاظ على المثالية السياسية المتمثلة بتوازن القوة أو الفصل بين السلطات.
في المحصلة، انطلقت معركة سياسية طاحنة داخل إسرائيل وتتجلى بالانقسام الكبير داخل المؤسسة السياسية الواحدة، بحيث تشهد أضلاع الدولة العبرية نقاشات وسجالات غير متناهية، ما يشي بخطورة المرحلة. يضاف إلى ذلك عنصران مهمان: الأول، يتمثل بمواقف الدول المؤيدة لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أما العنصر الثاني يتمثل بالشتات اليهودي في العالم الذي بات بمعظمه يميل نحو الليبرالية. ولعلّ هذان العنصران، بالإضافة إلى عناصر أخرى، من شأنها أن تدفع باتجاه التراجع عن خطوات نتنياهو الرامية إلى مكاسب آنية أقل بكثير من حجم الخسائر المحتملة على المدى الطويل.

