ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز.
مذ كنا صغارًا بعيدًا من وسائل التواصل الاجتماعي وتطورها المخيف الذي قلب الدنيا رأسا على عقب، كنا نسمع حكايا الأهل والكبار حول الجرائم التي تهزّ كيانات المجتمعات، وكانت تنسب في أغلبها إلى دول أجنبية كمدن في أميركا اللاتينية أو الشمالية كشيكاغو ونيويورك، وبعض مدن أوروبا كإيطاليا حيث مهد الجريمة المنظمة.
تاريخيًا كان المجتمع اللبناني ودودًا وصديقًا بطبيعة تكوينه الشرقي وساهم الدين والعائلة بشكل كبير في ضبط تصرفاته بحيث تخلو من العنف والجريمة.
فكان كسر "مزراب العين" مثلا من كبريات الجرائم التي كانت تهزّ الانتظام والصفو العام في القرى، فيما كانت تلك المجتمعات تخلو تمامًا من جرائم القتل و مثيلاتها من الجرائم الكبيرة.
ولكن للأسف فقد تغير الوضع كثيرًا مؤخرًا سيما في سنوات ما بعد الانهيار الاقتصادي الذي أرخى بظلاله على كافة القطاعات والمفاصل في الدولة، وهنا برز عاملان أدّيا برأينا إلى ارتفاع منسوب الجريمة من جهة، وإلى وحشيتها وساديتها من جهة أخرى.
لبنان الذي لطالما عانى أزمات اقتصادية متلاحقه ولم يكن مواطنه يعيش عيشًا رغيدًا إلا أنه بالمقارنة مع الانهيار الذي حدث إبان العام2019 تبين أنه كان يعيش في ثراء وبحبوحة بعد الانهيار التاريخي لليرة الذي فاق كل التوقعات وتخطّى كل الحواجز، ما أتى بالكامل وبين ليلة وضحاها على مداخيل الشريحة الكبرى من الللبنانين موظفي القطاع العام الذين وجدوا أنفسهم يعانون الفقر لا بل الجوع،
وزاد في الطين بلّة إقدام المصارف على حجز الودائع بشكل لم يحصل له مثيل على مستوى العالم ما سدّ الأفق أمام جميع الناس، حتى أن كبار الأثرياء الذي يمتلكون ملايين الدولارات كودائع أصبحوا مجبرين على العيش بمبلغ 400 دولار شهريًا.
هذا الواقع الاجتماعي القاسي والمستجد تسبب في صدمات نفسية كبرى على المستوى الجماعي دفع بالمجتمع ككل إلى فقدان توازنه، فمن وجد نفسه بين ليله وضحاها فقيرًا وهو يملك الملايين الضائعة في البنوك، خسر جزءًا هامًا من روحه وعواطفه وحالته النفسية، جعلته خارجا عن طوره، وقابلا للاشتعال في أي وقت، وهذا الأمر انسحب على الشرائح الفقيرة أساسا التي ازدادت فقرًا مدقعًا، جعلها لا تلوي على تأمين قوتها ما حدا بها إلى الانحراف والانحلال وارتكاب الجرائم
وهذا شكل العامل الأول.
العامل الثاني والذي انعكس نتيجة طبيعيه للعامل الأول حيث أدى تهاوي رواتب الأجهزة الأمنية القضائية التي تمثل هيبة الدولة وقوتها الرادعة، وتشكل القبضة التي تخيف وتحاسب كل من تسوّل له نفسه العبث بالأمن، فأدّى الانهيار الذي أكل رواتب أولئك الأمنيين وفقدان أبسط مقومات القيام بعملهم من وقود سيارات وحتى أوراق قرطاسية إلى إصابة الأجهزه الأمنية بالوهن والترهل ما انعكس جرأة وتطاولا لدى المجرمين لثقتهم بقدرتهم على الإفلات من العقاب.
من هنا دخل لبنان في دوامة جرمية لا تنفك تزداد وتشتد بحيث لا يكاد يمر يوم دون تعداد جرائم مرتكبة يندى لها الجبين من القتل بدم بارد لأسباب تافهة إلى السلب بقوة السلاح إلى الخطف والاغتصاب والتحرش الذي فاق كل الحدود والأوصاف الآدمية، كلها جرائم أضحت يومية واعتيادية دون أن تجد لها أي كبح لجماحها ما هدّد ويهدّد الأمن والسلم الاجتماعي، وقد يقود إلى تحلّل ودخول في حروب متنقلة تُؤدي إلى زوال الدولة.
من هنا لا بد من العودة إلى المربع الأول وهو مبادرة السلطة السياسية إلى إعادة تكوين المؤسسات الدستورية واستقامتها، و على رأسها انتخاب رئيس للجمهورية ومن ثم المبادرة إلى الخطط الجدية المتأخرة سنوات لوقف الانهيار، ،وتعديل الرواتب بما يكفل العيش الكريم ويجعل العنصر الأمني مكتفيًا ماديًا، وإلا فيما عدا ذلك فالانزلاق مستمر ولبنان داخل لا محالة عصر التوحش.

