هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
في وقتٍ تتواصل فيه الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين موسكو وكييف، تتسارع الخطوات واللقاءات الديبلوماسية لاحتواء الموقف ولمنعه من الخروج عن السيطرة أكثر فأكثر.
يمكن ما يحدث على صعيد الحراك الديبلوماسي المكثّف بالـ"ماراثون الديبلوماسي" الذي سيشهده الأسبوع المقبل لجهة اللقاءات والمباحثات وعلى رأسها التباحث في واشنطن حول الضمانات الأمنية لكييف، فضلاً عن حشد التأييد والتباحث في الحلول الممكنة في المملكة العربية السعودية، ناهيك عن إيجاد منفذ أو مخرج جديد لأزمة العلاقات الروسية-الأوروبية في أنقرة.
ولعلّ ذلك كله يدعو لطرح السؤال التالي: هل بدأت تتكشف خيوط حلٍّ ديبلوماسي جديد في أوكرانيا أم ما زال الوقت مبكرًا للحديث عن ذلك؟
في ظل استمرار الهجوم والهجوم المضادّ بين روسيا وأوكرانيا واعتراف كييف في الأمس تحديدًا بأنها تخوض "حرب رموز" في روسيا؛ قد يتساءل سائل إلى أي مدى يمكن القول أن الفرصة باتت سانحة اليوم لإيجاد حلّ أو مخرج للحؤول دون تدهور الأوضاع أكثر وضبط الأمور بين طرفَي النزاع؟
مما لا شك فيه أن الجهود التي تُبذل بعيدًا من الأضواء، إذا جاز التعبير، مستمرة من قِبل أكثر من عاصمة، فإلى جانب التحرك التركي الأخير، يبرز على الخط دخول صيني وآخر سعودي، بالإضافة إلى العديد من العواصم الإقليمية على الخط. لكن هل يعني ذلك أن هناك فرصة، في القريب العاجل، لتحقيق اختراق فعلي سياسي أو ديبلوماسي لإنهاء الحرب. الجواب لا! وذلك مردّه لأسباب عديدة، خصوصًا مع تزايد التعقيدات في مسار الأزمات الناتجة عن الحرب.
في حين لو استمرت اتفاقية الحبوب ولم تخرج منها روسيا وتمّت مناقشة مسألة التهدئة بشقَّيها السياسي والعسكري لكان الأمر يبدو معقولاً إلى حدّ كبير، لكن مع عرقلة اتفاقية الحبوب بالتزامن مع تسعير التصعيد العسكري على الجبهات كافة، فإن منطق الأمور يقود إلى الفشل المسبق لأي مباحثات ديبلوماسية.
كما يبرز سيناريو آخر، تنكبّ الرئاسة التركية على مناقشته والمتمثّل بتجنيب حوض البحر الأسود المزيد من التصعيد العسكري وفتح جبهات جديدة في هذا الممر المائي الحيوي والتي تؤرق أنقرة أيضًا.
في واقع الأمر، دخلت الحرب الروسية-الأوكرانية مرحلة استنزاف طويلة الأمد، خصوصًا أن الجانبين ليسا على استعداد لهذا لتحمّل تبعات هذا الاستنزاف. إذ تأتي الجهود الديبلوماسية في مناخ من القلق والخشية من عدم قابلية الوضع الراهن بالاستمرار. بحيث تشعر روسيا بريبة من اللقاءات المُزمع إجراؤها في المملكة العربية السعودية والتي تمثل حالاً من الاستفراد بموسكو في ظل المساعي لفرض الرؤية الغربية وتعميمها على الدول التي بقيت تمسك العصا من المنتصف.
على الصعيد الأميركي، وإن لم يخرج إلى العلن، إلا أن هناك امتعاضًا أميركيًا من الجانب الأوكراني الذي يُعاب عليه عدم التّصرف بحكمة، سواء في المرحلة السابقة للهجوم المضاد الذي شنّته، وتحديدًا في معركة باخموت التي استنفدت الكثير من العتاد والأعداد ما يؤشر إلى عدم قدرته بالقيام بذلك الهجوم وفق ما كانت تشير التقديرات.
إذن تنتقل الحرب الروسية-الأوكرانية اليوم إلى مرحلة جديدة تشير بوضوح إلى أن الطرفين المتناحرين منهكان بما فيه الكفاية من جهة، كما لم تتوفر المعطيات الكفيلة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات من جهة أخرى. فيما يؤشر واقع الأمر إلى أن تركيا تمثل الطرف الوحيد الذي لا يزال يحظى بنوع من الصدقية من الجانبين، ذلك أن الصين لم تدخل على خط المفاوضات بالشكل الوافي كما ينتقد الغرب مدى الجدية التي تنطلق منها مبادرات المملكة العربية السعودية ما يضفي نوعًا من التأرجح في المواقف.
في المحصلة، يمكن الجزم بأن الحرب القائمة في شرق أوروبا لا يمكن لها أن تستمر بالزخم الذي كانت عليه في السابق، بمعنى أوضح أن الانتصارات المنشودة لن تتحقّق لأي من الجانبين. فالحرب التي بدأت عبثية باتت أكثر عبثية مع مرور الوقت من دون توافر مؤشرات ومعطيات يمكن الاستناد إليها في الجهود الديبلوماسية الرامية لإنهاء الحرب عمومًا ولتحييد معابر مائية وبرية حيوية من شظاياها على وجه الخصوص.

