منير الحافي - الجمهورية
من البديهي القول إن لبنان ينقصه المواد الخام التي تخوّله أخذ مكانة اقتصادية كبرى في العالم. فلا عنده جبال من الذهب ولا عنده آبار نفط (الغاز والنفط في لبنان في حكم الغيب حتى الآن). في هذا المقال، سأكشف أنّ لبنان يمكن أن يستفيد من فنانيه التشكيليين ومن فنه الذي يمكن اعتباره «الذهب الجديد»!
تاريخياً، كان استخدام الذهب يقوم مقام النقد قبل اختراع العملة الورقية، (ويستخدم الذهب للزينة) وكان عند إجراء عملية شراء يحمل الشخص كيساً مليئاً من الذهب وزنه قد يصل إلى كيلوغرام! ومثل الذهب كان يتم استخدام الفضة في التعاملات التجارية والتبادلية. وبعدما صارت العملات ورقية، فقد الذهب معنوياته المالية وبقيت قيمته المادية في كونه حليّاً وزينة. أما الأونصة والليرة الذهبية فاستقرت قيمتهما المالية، لأنه لا يوجد مقابلهما دَين كما هو الحال مع العملة الورقية. ذلك أن كل عملة ورقية يتم الاستدانة مقابلها. وكل شخص يحمل العملة الورقية فكأنه يحملها ويحمل ديونها معها. بمعنى أن قيمة العملة تنخفض أوتوماتيكياً حتى وهي في جيوبك، أما الذهب فلا ديون عليه.
لكن الأشياء الثمينة ليست كلها مصنوعة من الذهب! فالساعات ذات الماركات المشهورة لها أسعار مرتفعة جداً ليس لأنها مصنوعة من الذهب بل لأن لها قيمة سوقية، وعندها اهتمام شديد من الناس. حتى أن ماركة ساعات مشهورة (رولكس) تنتج سنوياً ما بين ٨٠٠ ألف ومليون قطعة، ومع ذلك تبقى مطلوبة من الناس بسبب ما يُسمى brand equity أو أسهم العلامة التجارية. وقد تحتوي هذه الساعة ذهباً لكن قيمة الذهب فيها لا تتعدى الواحد في المئة، لكن ما يجعل هذه الساعة مطلوبة في كل أنحاء العالم هو تصنيعها المعقد، وتفاصيلها العديدة، والأهم: اسمها!
ماذا عن الفن، موضوع حديثي اليوم؟
الفن هو إبداع لدى الأشخاص الموهوبين والمميزين طبعاً. يمكن وصف الفن بالذهب البديل. لكن الأهم هو الاستثمار فيه ووجود (أو إيجاد) اسم يرنّ عند الناس عبر تطوير قيمة أسهمه التجارية. بمعنى آخر، يمكن أن يأخذ عشرون فناناً مواد للرسم من زيوت وفراشي من عند المتجر نفسه. الكل يذهب ليرسم. لكن هناك من يبيع لوحته بمئة ألف دولار ومنهم من يبيعها بمئة دولار! هنا المفارقة. القيمة في الموهبة، والإبداع، والاسم التجاري.
والذهب يمكن أن يكون نوعين: ذهب بحد ذاته كالحليّ والأساور، أو جزء من منتوج كالساعات. والنفط كذلك ومشتقاته بَقوا يشكلون «الذهب الأسود» على الرغم من التحول مؤخراً نحو الطاقة البديلة كالطاقة الشمسية والكهرباء، لكن العالم لم يتطور بشكل كامل كي يستغني عن الذهب الأسود.
يمكن اعتبار كل من الذهب والنفط، سلعةً commodity. أما الفن (التشكيلي) فكل قطعة تُنتج منه تكون قطعة مميزة وحيدة: unique. ولذلك حتى وإن اشتُهر الفنان وكبر اسمه واسهمه التجارية، فلا يكفي إنتاجه طوال عمره لكي يُرضي كل متذوقي الفن في العالم. ولذلك فإن أسعار الفن في ارتفاع مضطرد. وهنا أعطي مثلين مهمين. الفنان الإسباني بابلو بيكاسو (١٨٨١- ١٩٧٣) الذي أنتج حوالى ٥٠ ألف عمل فني في حياته (لوحات ومطبوعات ومنحوتات) منها حوالى ألفي لوحة زيتية. كان بيكاسو الفنان الأهم في القرن العشرين عالمياً وهو ساهم في نهضة الفن التشكيلي وتحوّله في تلك المدة. إكتسب بيكاسو سمعة عالمية بسبب أسلوبه الفريد ومثابرته، مما أدى إلى تأثيره الكبير على الفن. كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها العالم مثل هذه اللوحات والرسومات والمنحوتات. عرف شكلٌ من أشكال فنه بالتكعيبي. تصدرت لوحة بيكاسو «نساء الجزائر» قائمة أغلى مبيعات هذا الفنان المبدع، وبيعت في العام ٢٠١٥ بمبلغ ١٧٩,٤ مليون دولار.
المثل الآخر هو ليوناردو دافنشي، الرسام والنحات والمخترع الإيطالي (١٤٥٢- ١٥١٩). يوصف بأنه أكثر من تعددت مواهبهم في تاريخ البشرية. أشهر لوحاته هي الموناليزا وهي كذلك أشهر لوحة لشخص رسمت على الإطلاق. فأما الموناليزا (أو الجوكوند) المعروضة في متحف اللوفر في باريس فلا تُقدر بثمن. فيما بيعت لوحته «سالفاتور مندي» بمبلغ قياسي في ١٥ تشرين الثاني عام ٢٠١٧ هو: ٤٥٠,٣ مليون دولار في مزاد كريستيز العلني، وهو أعلى ثمن بيع لعمل فني في التاريخ. لم يبق من أعمال دافنشي الفنية في العالم كله اليوم إلا أقل من ٢٠ عملاً.
هناك فنانون أنتجوا فناً أكثر من بيكاسو وأسعار لوحاتهم أغلى، وهناك فنانون رسموا عدداً أقل من رسومات بيكاسو، وأسعار فنهم أقل قيمة. الأسعار يحددها السوق الفني من حيث الطلب. وهناك قاعدة مهمة: من يحدد السعر هم المقتنون وما هم على استعداد لدفعه في أي قطعة فنية. لذلك يمكن التأكيد من هذين المثلين وغيرهما المئات أن إنتاج الفنان سواء كان كثيراً أو قليلاً لا يؤثر على أسعار إنتاجه. وأن ما يحدد السعر هو نوعية المنتوج وتقبّل الجمهور. غير أن عنصراً مهماً يساهم في ارتفاع الأسعار هو ضيق السوق أو محدوديته. فمثلاً إذا كانت أعمال الفنان محصورة ببلد ما أو بسوق ما (في لبنان مثلاً) فإن الأسعار تنخفض. أما إذا خرج إلى العالمية وصار مطلوباً من خارج سوقه المحلي فإن أسعار فنه ترتفع باضطراد بسبب ارتفاع الطلب عليه.
الحركة الفنية الجديدة في لبنان تسعى لتعريف الفنان اللبناني في الخارج بعد أن يأخذ حقه في الداخل اللبناني. لذلك، فإن أسعار الفن اللبناني في البلد والخارج سوف «تحلّق». الفن اللبناني صار مطلوباً في الداخل والخارج على السواء. من حوالى ٣ سنوات كان محدوداً جداً. اليوم كبرت دائرة المقتنين بشكل هائل. تحول اقتناء الفن من «إيليت» في مناطق محددة في بيروت وجبل لبنان إلى كل لبنان تقريباً. وكذلك ارتفع عدد الفنانين المطلوبين من السوق اللبناني سواء من المتوفين أو الذين ما زالوا على قيد الحياة. ونستطيع أن نعطي مثلاً عن ضرورة التفوق والتطور في لبنان قبل التحول نحو الخارج. إذا أراد أن يعمل لاعبٌ في كرة السلة في الدوري الأميركي، عليه أن يكون متفوقاً في لبنان قبل أن يذهب إلى العالمية. وكذلك الفن، على الفنانين أن يعملوا ويعرضوا ويشتهروا في السوق اللبنانية قبل الانتقال إلى دبي أو لندن ونيويورك وغيرها.
في لندن، كان مدخول دار سوذبيز ودار كريستيز للمزادات العلنية السنة الماضية على التوالي: ٤,٥ مليارات دولار و٤ مليارات دولار! لا يوجد أي اقتصاد متطور في العالم لا يكون الفن جزءاً أساسياً منه. في لبنان، لم يكن الفن جزءاً من الاقتصاد بكل أسف. اليوم بدأ يعطي الفن ثماره ليكون جزءاً من الاقتصاد. السبب الرئيسي لازدهار الفن هنا هو العوائق المالية التي حصلت مع المصارف منذ «الثورة». فلجأ محبّو الفن ومستثمروه إلى شراء الفن اللبناني. السبب الثاني هو «إدمان» المقتنين على الشراء وزيادة الشراء! والسبب الثالث المهم هو أن سعر الفن يرتفع باضطراد أكثر من العقارات والسيارات والساعات وحتى الذهب! والسبب الرابع هو التقليد. يقلد الناس بعضهم اليوم في اقتناء الفن اللبناني ليصبح الأمر «أسلوب حياة» life style. فتأثير الفن على الناس هو نفسي وجمالي.
الحركة الفنية، إذاً، انطلاقتها بدأت عبر مشاكل البنوك. في بلاد أخرى كالولايات المتحدة لم ينطلق اقتناء الفن بسبب مشاكل مع المصارف وإنما لأسباب عديدة تتعلق بذوق الناس وثقافاتهم المتعددة (خليط من ثقافات ذات أصول أوروبية وأفريقية ولاتينية وصينية وغيرها). ويعتبر الفن اليوم مساهماً مهماً في الاقتصاد الأميركي بقيمة ٤,٦ من الناتج المحلي الإجمالي. في لبنان، الفن كان مهملاً. لم يوجد عندنا متاحف فن محلية ولا عالمية بطبيعة الحال. اللوفر الفرنسي مثلاً اقتنى لوحات إيطالية واسبانية وعالمية وهذه طريقة ممتازة لجذب السياح أما في لبنان فلا يوجد متحف للفن المحلي!
اليوم كل هذا يتغير. الاقتصاد الفني يُبنى من دون الاتكال على الدولة. كما حصل في قطاع النقل، اعتمد اللبنانيون على أنفسهم وكذلك في السياحة والاتصالات والصناعة والتجارة وكل القطاعات. المبادرات الفردية هي التي تخوض غمار الحركة الفنية في البلد وأساسها: جامعو الفن ومحبّوه، وصار اقتصاد الفن ينمو بطريقة مهمة جداً.
هناك إمكانية حقيقية لإسهام الفن اللبناني في النهضة الجديدة للاقتصاد اللبناني بعد النكسة الكبيرة التي مُني بها أخيراً. والسؤال الذي يطرحه كل من الفنانين والاقتصاديين على السواء، هو مدى مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد الوطني أي بلغة الأرقام. الأشهر القليلة المقبلة كفيلة بكشف هذا الأمر، لكن الأكيد أن الفن (التشكيلي) اللبناني سيكون هو الذهب البديل لدعم الاقتصاد في لبنان.

alafdal-news
