د.مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
ما يقوم به رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، منذ ليل السبت -الأحد الماضي، رغم موافقة حركة "حماس" على اتفاق وقف إطلاق النار، له تداعيات خطيرة، تفوق كل ما سبق، إذا ما استمر في هجومه على رفح، إذ لا ينسف بذلك اتفاق وقف إطلاق النار وحسب، إنما ينسف اتفاق فيلادلفيا أيضاً.
بداية مع اتفاق فيلادلفيا الذي تعتبره "إسرائيل" ملحقاً أمنياً لمعاهدة كامب ديفيد 1979، لكن في الحقيقة هو اتفاق أدخل تعديلات وترتيبات أمنية وعسكرية جديدة، لم تكن موجودة في معاهدة السلام، التي منعت وجود أي قوات مسلّحة مصرية على الأراضي المصرية المتاخمة للحدود الفلسطينية التي أطلق عليها (ج)، وسمحت فقط للشرطة المدنية المصرية بأداء مهام الشرطة الاعتيادية بأسلحة خفيفة. فيما اتفاق فيلادلفيا، يسمح بنشر قوات مصرية على الحدود الفاصلة مع قطاع غزة، وتُقدر تلك القوات بنحو 750 جندياً من حرس الحدود المصرية، ومهمتهم تتمحور فقط في مكافحة ما يسمى الإرهاب والتسلل عبر الحدود والتهريب والكشف عن الأنفاق.
وفي المقابل، تمركزت القوات الإسرائيلية في الجهة المقابلة لحين انسحابها من قطاع غزة منتصف أغسطس/آب 2005، وتسلّمت السلطة الفلسطينية إدارة القطاع بما فيه محور فيلادلفيا، المعروف فلسطينياً بمحور صلاح الدين، من جهة الأراضي الفلسطينية، ومنحت الإشراف على المناطق الحدودية والمعابر، بوجود مراقبين من الاتحاد الأوروبي. وما لبثت أن سيطرت حركة "حماس" على القطاع عام 2007، وحلًت مكان السلطة الفلسطينية داخل القطاع وعلى حدوده.
عليه، حاولت قوات الاحتلال أكثر من مرّة السيطرة على محور فيلادلفيا في خضم حربها على غزة، التي تجاوزت السبعة أشهر، في 13 ديسمبر/كانون الأول 2023 شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي هجوماً استثنائياً على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة، بحجة تدمير الأنفاق التي تستخدمها المقاومة لتهريب الأسلحة، في حين كشفت أوساط إسرائيلية عن نية الحكومة الإسرائيلية السيطرة على محور فيلادلفيا، حيث سُرّبت تصريحات آنذاك لنتنياهو في اجتماع مغلق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست.
وبعد عشرة أيام، أعاد العدو الكرّة، عبر مناورة قصيرة في المنطقة الحدودية بين معبر كرم أبو سالم ورفح، ثم تراجع بعد اشتباك عنيف مع المقاومة. لكن هذه المرّة يبدو أن نتنياهو مصرٌّ على السير إلى آخر الخط لناحية السيطرة بالكامل على الحدود الفلسطينية المصرية، وربما يحتل رفح إذا ما تعثرت المفاوضات في القاهرة.
لكن ثمة مفارقتان تواكبان عملية رفح، الأولى تخص الولايات المتحدة التي بثت أجواء تفاؤلية وحالة من الانفراج، على اعتبار أن الحرب انتهت بمجرد موافقة حماس على الاتفاق، دون أن تضغط ، حتى الآن، بصورة جديّة على الكيان العبري. والمفارقة الثانية تتعلق بمصر، التي انكفأت قواتها العسكرية ولم تحرك ساكناً، متخليّة عن مسؤولياتها وصلاحيتها التي يمنحها إياها اتفاق فيلادلفيا، لا سيما في ما خص معبر رفح على الأقل الذي سيطر عليه العدو الإسرائيلي، وتباهى باستبدال علم حماس بالعلم الإسرائيلي، وبالتالي أحكم حصاره على القطاع بالكامل. وهذا ما يشكل عامل ضغط على حماس بنظر نتنياهو، علّها تتنازل وتقبل بإدخال تعديلات على المقترحات المصرية القطرية.
في الخلاصة، بيبي وزمرته لا يأبهون لأية اتفاقات ومعاهدات، وهو الذي خرق القانون الدولي الإنساني بكل مُندرجاته، وهو في حالة غير متوازنة، ولا يسعه استيعاب "اتفاق القاهرة" حتى لو جرى تضييق أو جسر الفجوات التي يدعيها رئيس حكومة اليمين المتطرف، لا يريد أقل من خضوع واستسلام لحماس، لكن صمود المقاومة وتكبيدها للعدو المزيد من الخسائر سوف يحول دون تحقيق أي من أهدافه، ويجبره صاغراً بالنزول عن الشجرة.

alafdal-news
