مفيد سرحال - خاص الأفضل نيوز
في سياق حديثه لجريدة اللواء تساءل دولة الرئيس نبيه بري((لماذا يعقد مؤتمر في باريس ومجلس النواب موجود؟)) والسؤال بذاته يعيد طرح إشكالية لبنان القاصر المحكوم بإرادات خارجية تملي عليه سياسات وآليات ممارسة الحكم وإدارة الشّأن العام.
كلام الرئيس بري سياديّ بامتياز مشدود لفكرة إنتاج تفاهم داخليٍّ بين المكونات والقوى السياسية سيما وأن مواضي الأيّام علمتنا ضرورة اعتماد منهج التوافق والتوازن بمعنى منهج التسوية في مقاربة الاستعصاءات وانسداد الأفق حيال القضايا الوطنية دون السماح لنفاذ التدخلات والإملاءات الخارجية والمصالح البعيدة فتكرّس حتميّة الاستتباع في صيغة أصيل ووكيل وتعمق الاختلاف بحيث يترك الباب مشرّعًا لرياح الأهواء المتضاربة ما يجعل من الهوية الوطنية ريشة تتقاذفها الرياح مقرونة بأثمان كارثيّة صورها لا زالت ماثلة في الوجدان العام مشاهد سوداء من الاحتراب والمنازعات.
درس السّيادة والاستقلال الذي تلاه الرّئيس برّي ليس كلامًا عابرًا أو عرضيًّا يشبه يوميات السياسة اللبنانية بل حجة على أهل الرأي والفكر والسياسة والمهتمين بالشأن العام للحؤول دون تضخيم الفروقات من جهة وللتبصّر في المتغيّرات ترسيخًا للتّضامن الوطني وتحقيق وحدة اللبنانيين حول ثوابتهم الرئيسة ودرء مخاطر انقلاب الاختلافات السياسية إلى انقسامات طائفيّة ومذهبيّة وإلى عنف ظاهر أو مستتر وتكريس إمكانات استقلالية النقاش حيال العناوين الوطنية الخلافية.
ويستشفّ من كلام رئيس البرلمان اللبناني في ظلّ العدميّة الحوارية أن الإطار المرجعي البديهي والحوار الصادق الشفاف والمنتج مكانه الطبيعي تحت قبّة البرلمان حيث تصنع الأفكار والرؤى وتصاغ التفاهمات وتترجم الاعتراضات بدل حوار المبارزات والتنابذ واستعراض العضلات على المنابر الجهوية الفئوية.
وأهم ما قاله الرئيس نبيه بري ((أنه الوحيد الذي يدعو ويرأس أي حوار )) كتعبير عن الممارسة السّياسيّة السّياديّة الواضحة من خلال الدستور والقواعد الناظمة للحياة المشتركة والأصول الحقوقيّة في الممارسة السياسيّة توكيدًا لدور المجلس النيابي كمرجعيّة مؤسسيّة خاضعة لأصول دستوريّة وقانونيّة.
بناء عليه ما من عاقل إلّا ويدرك أن الحوار الدّاخلي الدائم اللّحظوي ضرورة وطنيّة لبنانيّة لحماية اللّحمة الوطنية والبحث عن التسويات المتوازنة وخلاف ذلك الدفع باتجاه هيمنة المؤثرات الخارجية التي تمنع قيام كيان وطني ومؤسسات وطنية.
فالاستحقاق الرئاسي محكوم بالتفاهم المسبق طالما الجلسات المتتالية جعلت من العسير الوصول إلى خواتيم رئاسية حاسمة في ظلّ تعقيدات الانحيازات الضّديّة وموازين القوى وتوزّع الكتل ومسألة الميثاقية الملتبسة لجهة العدد أم الإجماع الذي يشوبه خرق والمقصود لدى المكون المسيحي وبالطبع تحت وطأة تساؤل ضاغط لناحية ما إذا كان الموقع الرئاسي الأول موقعًا مسيحيًّا حصريًّا أم يندرج تحت سقف المقبولية العامة من كل المكونات.
واستطرادًا ماذا يعني تجاوز التفهم والتفاهم في هذه القضية بانتخابات ديمقراطية يحسمها فارق الأصوات وإمكانية انزياح البلد إلى انقسام حسّاس لسنا بعد مهيّئين معه لمنطق أكثرية تحكم وأقلّية تعارض على شتى الصعد كون الصيغة التوافقية تطغى على الصيغة الأكثرية في نظامنا السياسي.
إزاء ذلك تخشى شخصية سياسية مخضرمة من دخول لبنان فوضى دستورية من دون ضوابط تدفع لسلة من الفرضيات الخطرة على الدولة والكيان إذا ما احتشدت على حواشيها سلسلة ملفات ضاغطة منها الحرب في جنوب لبنان مع العدو الصهيوني ودفاع المقاومة عن السيادة الوطنية بدم شبابها وأرزاق أهل الجنوب، وملفّي النزوح والتوطين ومن هذه الفرضيات:
١- أن استمرار الوضعية الراهنة في الشأن الرئاسي من دون سقف قد تفضي إلى مقولة أن الرئيس عون آخر رئيس ماروني للبنان وإعادة صياغة الطائف بناء لمعايير وطنية مختلفة.
٢- الفدرلة وأخواتها مرفوضة والإصرار عليها كمنهج لحكم لبنان سيفضي إلى ما دون الطائف كونه من الممنوعات الوطنية.
٣- إما المسارعة إلى حوار داخلي وفق ثقافة وعقلية التسامح والانفتاح وملاقاة التحولات الهائلة في الإقليم مع تصاعد الخط البياني لمحور المقاومة والتشبيك العربي المستجد مع سوريا أو التسليم بإدارة مربط خيلها في دمشق لا في باريس ولا في واشنطن.
فيما آخر المطاف بعد الطواف المملّ حول الطائف فرضية إلحاق لبنان بالجغرافيا الأم.
لذا تؤكد هذه الأوساط أن الرئيس نبيه بري الحكيم والخبير في لعبة الوصل والتواصل وفق الموازنات والحائز على شهادة عالية في فهم الاجتماع اللبناني والمنضوي والمدرس لفكر الإمام موسى الصدر في مسألة الانفتاح والتفاعل والتشبث بالعيش الواحد والأستذة في بناء التوافقات والتسويات تبقى دعوته للحوار في القضايا الوطنية نابعة من حرص عميق على سيادة واستقلال لبنان وسلمه الأهلي ووحدته الوطنية وعدم مجاراة دعوته غرق في التيه والعماه واللامعنى.

alafdal-news



