كتبت سمية نصربي عبر موقع بي سي نيوز عربي
8 يونيو/ حزيران 2022
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مخاوف متعلقة بالأمن الغذائي العالمي، لا سيما مع استمرار غزو روسيا لأوكرانيا، إذ تُعتبر الاثنتان من أكبر بلدان العالم المصدرة لسلعة غذائية رئيسية هي القمح.
ودق تقرير صادر عن برنامج الغذاء العالمي في أوائل مايو/أيار الماضي ناقوس الخطر، حيث أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مقدمته إلى أن العالم يواجه "أزمة جوع على نطاق غير مسبوق، وارتفاعا في الأسعار لم يُشهد له مثيل من قبل".
فماذا يعني الأمن الغذائي، وما العوامل التي أدت إلى مخاوف من زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدامه في العالم، وما حجم المشكلة التي تواجهها المنطقة العربية؟
"عاصفة مكتملة الأركان"
عرف مؤتمر القمة العالمي للأغذية المنعقد عام 1996 الأمن الغذائي بأنه الحالة التي يتحقق فيها حصول الجميع على الأطعمة الكافية والسليمة والمغذية في كل الأوقات، وبشكل يلبي الاحتياجات الغذائية الضرورية لحياة صحية ونشطة.
ومن التعريفات الأخرى للمفهوم، هو أنه قدرة الدولة على تأمين مخزون كاف للسلع الأساسية لفترة لا تقل عن شهرين ولا تزيد على سنة، وتختلف المدة بحسب الدولة والمادة الغذائية الأساسية.
ويعتمد مدى نجاح الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية الرئيسية بما يجعلها تتفادى انعدام الأمن الغذائي على عوامل الجغرافيا، والمناخ، وتوافر الأراضي الزراعية ومصادر الري والأيدي العاملة، وامتلاك تقنيات زراعية حديثة.
ولطالما شغلت قضية الأمن الغذائي الكثير من حكومات العالم، لما له من تأثيرات مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ قد يؤدي انعدامه إلى عدم الاستقرار والاضطرابات والهجرات الجماعية في بعض الأحيان.
الحرب الأوكرانية "فاقمت أزمة ثلاثية الأبعاد - أزمة غذاء وأزمة طاقة وأزمة اقتصاد"، وفق غوتيريش، "ما سيكون له آثار مدمرة على أكثر الناس والبلدان والاقتصادات هشاشة في العالم".
وتقول الدكتورة عبير عطيفة المتحدثة الإعلامية باسم برنامج الغذاء العالمي في الشرق الأوسط إن "روسيا وأوكرانيا مسؤولتان عن نحو 30 في المئة من تجارة القمح العالمية، ومن ثم فإن أي اضطراب خطير في الإنتاج والتصدير يؤثر على الأمن الغذائي لملايين الأشخاص الذين يعانون بالفعل من تضخم أسعار الغذاء في بلدانهم".
قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، بالتحديد في شهر فبراير/شباط الماضي، وصلت أسعار الغذاء العالمية أعلى مستويات لها على الإطلاق بسبب مشكلات تتعلق بالعرض والطلب وارتفاع نفقات الإنتاج واضطرابات التجارة الدولية وسلاسل الإمداد جراء تفشي وباء كوفيد-19. ثم جاءت الحرب لتضيف إلى حالة عدم اليقين في أسواق السلع الزراعية.
وتقول الدكتورة عطيفة إن ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها هو أنه عندما بدأت الحرب الأوكرانية، لم يكن العالم قد تعافى بعد من آثار جائحة كورونا وما نتج عنها من تباطؤ اقتصادي، فضلا عن تقلبات الطقس الناتجة عن ظاهرة التغير المناخي والتي ضربت مختلف مناطق العالم وأثرت على الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء في البلدان التي تشهد صراعات مسلحة - "ومن ثم فإن لدينا كافة العناصر التي تشكل ما نطلق عليه "the perfect storm" أو العاصفة مكتملة الأركان".
تأثير الحرب على المنطقة العربية
ليس مستغربا أن المنطقة العربية تتأثر بشكل كبير من تبعات الحرب الأوكرانية، نظرا لأنها تستورد حوالي 42 في المئة من احتياجاتها من القمح و23 في المئة من احتياجاتها من الزيوت النباتية من كل من أوكرانيا وروسيا، بحسب برنامج الغذاء العالمي.
ووفق الدكتورة عطيفة، ارتفعت أسعار دقيق القمح في الشهر الذي تلى اندلاع الحرب بنسبة 47 في المئة في لبنان، 15 في المئة في ليبيا، 14 في المئة في فلسطين، 11 في المئة في اليمن، وحوالي 10 في المئة في سوريا.
كما ارتفعت أسعار دقيق القمح في مصر، التي يمثل الخبز تاريخيا أهمية بالغة لمواطنيها، بنسبة 15 في المئة في مارس/آذار وفق تصريحات أدلى بها عطية حماد رئيس شعبة المخابز بالغرفة التجارية بالقاهرة لوكالة رويترز للأنباء.
تضيف عطيفة: "يأتي ذلك في وقت شهد فيه الكثير من الدول ارتفاعا كبيرا في تكلفة سلة الغذاء - وهي الحد الأدنى للاحتياجات الغذائية لأي أسرة. على سبيل المثال، ارتفعت تكلفة سلة الغذاء في لبنان بنسبة 351 في المئة، تليه سوريا بنسبة 97 في المئة، واليمن بنسبة 81 في المئة".
في عام 2008، أصدرت المنظمة العربية للتنمية الزراعية خلال دورتها الثلاثين "إعلان الرياض لتعزيز التعاون العربي لمواجهة أزمة الغذاء العالمية"، والذي تضمن إطلاق مبادرة لبرنامج عربي طارئ للأمن الغذائي تهدف إلى "زيادة واستقرار إنتاج الغذاء في الوطن العربي، وبخاصة الحبوب والبذور الزيتية والسكر"، ونص على ضرورة "استنهاض همم القطاع العام والخاص ورجال الأعمال العرب للتوجه إلى الاستثمار في المشروعات الزراعية المشتركة...وحث حكومات الدول للإسراع بتهيئة التشريعات والقوانين الداعمة للتكامل الزراعي العربي".
كما أصدرت المنظمة ذاتها إعلان نواكشط للأمن الغذائي العربي المستدام في أبريل/نيسان الماضي الذي أطلق "استراتيجية التنمية الزراعية العربية المستدامة 2030، والبرنامج العربي لاستدامة الأمن الغذائي" والذي يهدف إلى "زيادة مستويات الإنتاجية والإنتاج الزراعي من السلع الغذائية الأساسية بنسبة لا تقل عن 30 في المئة خلال السنوات العشر القادمة".
ورغم كل تلك المبادرات، لا تزال المنطقة العربية تعتمد بشكل متزايد على الاستيراد لتغطية جل احتياجاتها من السلع الغذائية الأساسية بنسبة كبيرة، إذ إن الارتفاع الكبير لمعدل النمو السكاني السنوي (الذي قدر بقرابة 2 في المئة، مقارنة بحوالي1 في المئة عالميا خلال عام 2020)، لم يرافقه توسع في الرقعة الزراعية أو زيادة عائدات المحاصيل.
وتوقع تقرير صادر عن الأمم المتحدة في عام عام 2017 بعنوان "الآفاق العربية 2030: فرص تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة العربية" أن "الاعتماد على الواردات الغذائية سوف يظل سائدا حتى عام 2030 وأبعد من ذلك". فهل يعود ذلك لأسباب خارجة عن إرادة بلدان تلك المنطقة، أم لقصور سياسات الأمن الغذائي فيها؟

alafdal-news
