تغريد أبو هميا _ خاص الأفضل نيوز
27 حزيران 2022
من على سفحِ ثلاثةِ جبالٍ هم "جبل عربي وخلالي التيماني والمقاطع"، تطلُّ عليكَ بلدة "كوميدي أو كاميدوس" المعروفة ب"كامد اللَّوز" حاليًا ببيوتها القَرميديّة، وأشجارِها المُعمِّرة، وسكَّانِها الذينَ وقفوا في وجهِ الاحتلال الإسرائيلي على مرِّ سنواتِ الاجتياح، الذي لم يكُن السّبب الوحيد لوضعها على الخارطة البقاعيَّة واللبنانيَّة، بل واحتواؤها على الكثير من المَعالِم الأثريَّة والتّاريخيَّة التي أعادت هذه البلدة إلى الواجهة السياحيَّة والثّقافيَّة.
كامد اللَّوز التي ترتفع عن سطح البحر ب 870 مترًا، كانت تُعرف سابقاً باسم مدينة "كوميدي"، مدينة مليئة بالآثار من مُختلفِ العصور، هي إحدى القرى اللبنانيَّة في الجنوب الشَّرقي من قضاء البقاع الغربي. يرجع اسمها إلى المصادِر المصريَّة القديمة "كوميدي"، وإلى وثائِقَ المِعمارين "كاميدوس" باللّغة السِّريانيَّة، وتعني "مَمر القوافل".
ولعلَّ لِكامد اللَّوز نصيباً من اسمها "مَمر القوافل"، فموقِعها الذي يَربطُ بين السَّاحل الفينيقي والدّاخل، جعلها مقصداً للتجارة في الماضي والحاضر. كانت مقراً للحاكم المَصري "رابو" ومركزاً إدارياً لإحدى المُقاطعات، في وقت السَّيطرة المَصرية من بدايةِ القرن السَّابع عشَر حتَّى القرن الثَّالث عشَر قبل الميلاد.
وفي جولةٍ في بلدة كامد اللَّوز، التقى موقِع الأفضل نيوز مع أحد كِبار السِّن، الذي أكَّد أنَّ البلدة كانت محطّ اهتمام للبعثَات الأوروبيَّة المختصَّة بالتَّنقيب. واستذكَر حضور علماء من جامعاتٍ ألمانيَّة للتَنقيب في المواقِع الأثريَّة، ممّا كشَف عن أسرار مخفيَّة، كانَ يجهلُها السُكَّان المحليّون. فبينَ عامَي 1963 و1965، قامت بعثةٌ ألمانيَّة مُشتركة من جامعة مينز Mainz و جامعة ساربروكين Saarbrücken بالتَّنقيب في إحدى المواقِع الأثريَّة فيها التي تمتَدّ إلى نحو 3800 مترًا مربعاً. وتَوالت التَّنقيبات بين العام 1966 والعام 1981 من جامعة ساربروكين، وزيادَة مساحة التَنقيب. وفي العام 1997 استأنفت جامعة فرايبورغ Freiburg الألمانية الحفريّات، وقامت بإجراء أعمال مسح أثري معمَّق.
وأثنَاء التَنقيب ظهَر العديد من الأدواتِ الحجريَّة والفخاريَّة، وأبرَزها قصرُ يحتوي على عدَّة أجنِحة أساسيَّة، ومعبدَين مع باحاتِهما، ومذبَح، و احتواؤه على مَساكِن وورشات ومشاغل متخصِّصة في صناعة البرونز، وتصنيع الحُلي من الذَّهب والمعادِن الأُخرى. كما تمَّ العُثور على مجسَّمات صغيرة لآلهة ذلك العَصر وعاجيّات، ونماذِج لمعابِد وبيوت، جميعها مصنوعة بحرفيّة ودقّة عالية.
أمَّا الكتابات الآراميَّة فكانَ لها حصَّة كبيرة على سفحِ جبَل المدينة، حيثُ نُحتَت بالصَّخر وبَقيت حتَّى يومِنا هذا، مع آثار للمدافِن والمغاوِر المنحوتَة على هذا الجبَل الذي استُخدِم أيَّام الخليفة الأمَوي الوليد بِن عبدالملك كمَقلع للحِجارة التّي بُنيَت مِنها مدينَة عنجَر الأثريَّة في أوائِل القَرن الثّامِن الميلادي.
رسائل "تَلّ العَمارِنة" كانَت من أبرَز الاكتشافات، التّي أظهرَت اسم كوميدي أو كاميدوس خمسَ مرّات في تِلك الرسائل، التي اكتُشفَت عام 1887 ميلادي في مِصر. وكانَت تعود إلى سنة 1336 و1352 قَبل الميلاد، أيَّام الفرعون "عمانوفيس الرابع".
تَحمِل الرسالةُ الأولى الرَّقم الرمزيَّ (ea198) وتذكُر اسم (أراحوتو) مَلك كوميدي، أمّا الثَّانية فتَحمل الرَّقم (ea129)وتذكُر كوميدي كمَركز للحاكِم المَصري "رابو"، فيما الثَّالثة تتَضمن الرقم (ea132)وتذكُر اسم المَلك "بوحورو" حاكِم مدينة كوميدي، أمَّا الخامِسة ذات الرَّقم (ea197) فتتَحدث عن حاكِم سوري اسمه "بيريوازا" يطلُب فيها المسَاعدة من فرعون مِصر من أجل الاحتفاظ بمدينة كوميدي.
الحضارةُ الفينيقيَّةُ كانت حاضِرةً وبقوَّة في آثار كامد اللَّوز، حيثُ أنَّ هناكَ مكتشفات مهمة جداً تتعلق بالفينيقيين، وحضارَتهم الذين كانوا يسكنون هذه المنطقة. في حين تفتَقر متاحِف العالم إلى الأشكال الفينيقيَّة المصنوعة من العاج، لقد تم اكتِشاف أشكال عاجيَّة فينيقيَّة في البلدَة، أعطَت أفكاراً جديدة عن الفينيقيين وما يتمَيّزون بِه عن المصريّين. وهذهِ المكتشَفات أوضَحت أن الفينيقيين ليسوا فقَط مِن سكَّان السَّاحل، بل من سكان الدّاخل أيضاً، ومن المُمكن أن كوميدي كانَت مدينة فينيقيَّة بامتِيازٍ.
في أواخر العصر البرونزي الحديث، تعرضَّت كوميدي، كغَيرها من المُدنِ الكنعانيّةِ، للهدمِ والدّمارِ وانقطاعِ الصِّلات الثَّفافية والتِّجارية التي كانَت تربطُها بمِصر وسوريا وفلسطين وبمنطقة بحر إيجة، وتراجعَت مكانَتها إلى تجمُّعٍ قَرويٍّ بَسيطِ.
هذه الآثارُ لم تَسلم من الاعتداء، فقد سُرقِت في العام 1982، حيثُ عمَد الاحتلال الإسرائيلي بعد اجتياحه لبنان إلى تنظيم أكبَر حملة تنقيب وبحث عن الآثار، وسرقة آلاف القِطَع الأثريَّة التي تُعتبر قيّمة وتروي تاريخ كوميدي ومعه تاريخ لبنان القديم.
وفي لِقاء خاصّ لموقِع الأفضَل نيوز، مع أحد أعضاء مخاتير كامد اللّوز السَّابقين، الحَاج حسّان أبو هميا، أكّد بأنَّ "الاحتلال كان يسرق الآثار القيِّمة عن طريق تحميلهم في شاحناتٍ كبيرةٍ، بعد تطويق مواقِع التنقيب بحجّة الحماية، ومنعِ المواطنين من الاقتراب"، مضيفاً "أنَّ قوّات الاحتلال كانت تُدمّر كل ما لا يستطيعون نَقله باستخدام الجرّافات، ورفع الآثار بطريقة فوضويّة. غير ذلك، فإن العديد من آثار البلدة تمّت سرقتَها فردياً وبَيعها بمبالغ قليلة جداً نسبَةً لقيمتها العالية. فمثلاً تمَّ بيع إحدى القطَع الأثريَّة بمبلغ 50 دولار، بينما تمَّ عرضَها فيما بعد في مزادٍ علنيٍّ في باريس بسِعر ابتدأ من ثمانيَة عشر ألف يورو".
وقد استردَّ لبنان قطعةً أثريَّةً مصدَرها بلدة كامد اللَّوز، تعود إلى الألف الثَّالث قبل الميلاد، وهي عِبارةٌ عن رقيم فخّاري مسَدس الأضلاع بطول 18 سنتم، تغطّيها كتابة سومريّة برموز مسمارية، مما فتَح الباب واسعاً أمام آثار هذه البلاد التي هي حتّى اليَوم طيَّ الإهمال والنّسيان الرسميين.
وفي مُحاولةٍ مِنهم لإنعاش القرية سياحياً، تدخَّل أهالي البلدة الذينَ لم يرضوا بِترك تاريخهم طيَّ النسيان، فعَمِلوا على تَحسين المناطِق المميَّزة لتكون وُجهة للزائِرين، فأعادوا تأهيل منطقة "البِركة"، وتشجيرها لتُصبح مسَاحاتها الخَضراء لافتة للنظر، فتَضمّنت تِلك الزّاوية الخضراء المقاهي التي جذَبت الزوار من جميع المناطِق البقاعيَّة واللبنانيَّة. بالإضافةِ إلى ملاهٍ للأطفال، وأنشطة التَزحلق فوق البِركة، ووجود مركبات صغيرة للتّجول داخل المياه مُجاورين البطّ الذي وجد البِركة منزِلاً دائماً لهُ.
العملُ استمرَّ من خلالِ بناء متحفٍ صغير، يتم استعراض بعض القطَع الأثريَّة التي عُثر عليها في أراضي كامد اللَّوز، وذلك لإظهار تاريخ البلدةِ العريق من عقودِ ما قَبل الميلاد. وهذا المتحف يجذب العديدَ من المهتمين بالآثار من داخِل البلدة وخارجها، ويحسِّن من قيمة البلدة السياحيَّة حاضراً ومستقبلاً.
الجهودُ الفردِيةُ كانت حاضِرة، فبُنيَ ما سمِّيَ "قلعة عيسى" لصاحبها المرحوم عيسى واكد. حيثُ بدأ البناء بين عامَي 1994 و1995 على الطِراز القديم وعلى مساحة واسعة، وانتهى في العام 2021، على أن تُفتَح للعامة.
لبنان كان ومازال نُقطة وصلٍ بين عراقةِ الماضي وأصالة الحاضر، متميّز بكلِّ أثر خلّفته الحضارات السّابقة. وكامد اللَّوز كانت من بين المُدن الرئيسة التي تحَولت لمكان بسيطٍ للعيش، ومع كل الهَدم والدَمار والسّرقة، لا يمكن لأحد أن يُنسيَ هذا الشّعب قوّته المتمثِّلة في كلِّ صخرةٍ لم يهزِمها الزَّمن. فهل ستتحوّل "كوميدي" من مدينةٍ أثريَّةٍ منسيَّةٍ، إلى واجهةٍ حقيقيّةٍ للسّياحَة؟.

alafdal-news
