طوني فرنسيس - نداء الوطن
لم يعد للتسميّات الدّستورية معنى منذ أن أُطيح بالدستور. استشاراتٌ مُلزمة باتت مثلها مثل غير المُلزمة، الميثاقيّة تصبح خطاً أحمر لا يجوز خرقه حيناً وورقة تين أحياناً أخرى كثيرة، فيجري نزعها برعونة دون التفات إلى مواقف مبدئيّة سابقة هدّدت بالويل والثّبور وعظائم الأمور لو تمّ عدم احترام الحضور التّمثيلي لفريق من فرقاء الطّوائف. المهل والمواعيد لا تحترم ويستسهل التّلاعب بها، ثمّ الانتخابات النّيابيّة هذا التّعبير الأفضل عن النّظام الدّيمقراطي البرلماني، تحصل وكأنها لم تحصل، فلا أكثريّة ولا أقليّة ولا سلطة ولا معارضة، إذ إن أمورهم يجب أن تبقى شورى بينهم بقيادة صاحب الأمر.
حديث التشكيل والمشاركة في الحكومات بات لا يُعْتَدّ به كذلك. صنّاع الحكومة يتحدِّثون عن رغبتهم بالابتعاد عنها، فهم لا يريدون شيئاً لأنفسهم ولا لنوّابهم، إنهم يبحثون فقط عن الخير العام، لكن النتيجة تكون أسوأ بما لا يقاس. يبتعد ممثلو مشايخ الدّولة وأغواتها المباشرين المعروفين فتحلّ محلهم نخبة من «المستقلّين» المجهولين الذين يجعلون شعباً بأكمله يترّحم على الأصيل وحسناته. وفي الحكومة المنصرفة، ولا تزال في حالة التّصريف، جيء بوزراء جرى تقديمهم كمستقلّين مدعومين من قوى السّلطة، فكانت النتيجة أن غالبية هؤلاء تتسابق في تقديم الولاء لمن تكرّم عليها بلقب الوزير، وحسب المتداول فمن 24 وزيراً، قلّة لا تتبع توجيهات أركان الحكم الفعليين، الذين يلعبون بكامل قوتهم عبر لاعبي الاحتياط بعد احتراق ممثلين التصق تاريخهم بحياة وقرارات مرجعيّاتهم.
بعد انتهاء واجب الاستشارة والتّشاور لن يجد الرئيس نجيب ميقاتي وسادةَ حكومته المنصرفة أفضل منها للاستمرار. فالانتخابات النّيابية فرزت ابتعاداً عن السلطة وليس بديلاً، ولم تتمكن القوى «السّيادية والتّغييرية» من الذهاب في اللّعبة البرلمانيّة إلى حدّها الأقصى، أي توفير أكثرية لرئيس حكومة جديد يشكل حكومة اختصاصيّين مستقلة مدعومة من هذه الأكثرية بالذات. لم يحصل شيء من ذلك، فبقي ميقاتي وحكومته التي تلبِّي مصالح غالبية الكتل التي كانت حاضرة في المجلس النّيابي السّابق وتستمر في المجلس الحالي، بمن فيها بعض من لم يسمِّ ميقاتي ويعلن أنه لا يريد المشاركة في وزارته!
سيتوقف الرئيس المكلّف أمام صورة الوضع المحدود في الزمان والمكان، وسيفضل على الأرجح الإبقاء على قديمه، فبذلك يتجنب معارك وحسابات لا تنتهي، ويرضي الأخ الأكبر، ويحفظ للذين يرفضون التّعاون معه من ثلاثي الحكم مقاعدهم وحصصهم «غصباً عنهم».

alafdal-news
