لينا شعشوع – خاص “الأفضل نيوز”
يحلّ شهر رمضان في لبنان هذا العام في سياق اقتصادي يُعَدّ من بين الأشدّ تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث. فمع استمرار التضخّم، وتراجع القدرة الشرائيّة، وغياب الاستقرار المالي، لم يعُد الشهر الفضيل مجرّد مناسبة دينيّة ذات طابع روحاني، بل تحوّل إلى مساحة تعكس عمق التحوّلات المعيشيّة والاجتماعيّة. وبين قدسيّة الصوم وضغوط الغلاء، تتبدّل أنماط الاستهلاك، وتتغيّر أولويّات الأسر، وتُعاد صياغة مفهوم الكرم الرمضاني.
التحوّل في نمط الاستهلاك الغذائي
ارتبط رمضان تقليديًّا في لبنان بموائد عامرة وأطباق متنوّعة تعبّر عن الكرم والتقاليد الاجتماعيّة. إلّا أنّ الواقع الاقتصادي فرض معادلة مختلفة. فارتفاع أسعار السلع الغذائيّة الأساسيّة، من حبوب وزيوت وسكّريّات، وصولًا إلى اللحوم والدواجن، دفع شريحة واسعة من الأسر إلى إعادة النظر في سلوكها الاستهلاكي.
أصبح الإنفاق أكثر حذرًا، وتمّ تقليص الكميّات أو الاستغناء عن بعض الأصناف غير الأساسيّة. ولم يعُد التنوع معيارًا ثابتًا على المائدة، بل بات خاضعًا لحسابات دقيقة توازن بين الحاجة والإمكانات المتاحة. بذلك، تحوّل رمضان من شهر يرتفع فيه الاستهلاك تقليديًّا إلى شهر تُمارَس فيه استراتيجيّات ترشيد واضحة لدى كثير من العائلات.
مفارقة الغذاء الصحي.. حين يصبح “الفتوش” ترفًا
يُشكّل صحن الفتوش رمزًا تقليديًّا لمائدة الإفطار اللبنانيّة، وغالبًا ما يُنظر إليه بوصفه طبقًا بسيطًا ومتوافرًا للجميع. غير أنّ الأزمة الاقتصاديّة أفرزت مفارقة لافتة: فمكوّنات هذا الطبق ـ من خسّ وبندورة وخيار وفجل وبقدونس وزيت زيتون ـ أصبحت تمثّل عبئًا ماليًّا ملحوظًا لدى عدد من الأسر ذات الدخل المحدود.
إنّ ارتفاع أسعار الخضار الطازجة، بالتوازي مع كلفة اللحوم والدجاج، أعاد ترتيب أولويّات الإنفاق الغذائي. ففي ظلّ دخل متآكل، تميل العائلات إلى اختيار الأغذية الأكثر إشباعًا والأقلّ كلفة، حتّى وإن كانت أقلّ تنوّعًا من الناحية الغذائيّة. وبهذا المعنى، لم يعُد الغذاء الصحي خيارًا بديهيًّا، بل قرارًا اقتصاديًّا مشروطًا بالقدرة الشرائيّة.
كذلك الأمر بالنسبة إلى اللحوم والدواجن، التي تحوّلت لدى بعض الأسر من مكوّن يومي إلى سلعة تُستهلك في مناسبات محدودة. هذه التحوّلات لا تعبّر فقط عن أزمة أسعار، بل تكشف عن تغيّر في مفهوم “الرفاه الغذائي”، إذ لم يعُد معيار الكرم في رمضان مرتبطًا بتنوّع المائدة، بل بقدرة الأسرة على تأمين الحدّ الأدنى من الاحتياجات الأساسيّة.
إعادة تعريف الكرم والتكافل
على الرغم من الضغوط الاقتصاديّة، لم تتراجع مظاهر التضامن الاجتماعي. بل على العكس، شهدت المبادرات الخيريّة، وحملات توزيع الحصص الغذائيّة، وموائد الإفطار الجماعيّة حضورًا ملحوظًا في عدد من المناطق.
يمكن تفسير ذلك من منظور اجتماعي بوصفه آليّة تعويضيّة في ظلّ قصور السياسات العامّة عن تأمين شبكات حماية اجتماعيّة كافية. فحين تتراجع قدرة الدولة على التدخّل، يتقدّم المجتمع الأهلي والديني لسدّ جزء من الفجوة. وهنا يتجاوز رمضان بُعده التعبّدي ليصبح إطارًا زمنيًّا لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعيّة وتعزيز الشعور بالانتماء والتكافل.
بين الصورة الإعلاميّة والواقع المعيشي
لا يزال الخطاب الإعلامي والإعلاني في رمضان يركّز على وفرة الموائد والعروض الاستهلاكيّة والبرامج الترفيهيّة، بما يعكس نموذجًا مثاليًّا قد لا يتطابق مع الواقع المعيشي لجزء كبير من المواطنين. هذه الفجوة بين الصورة الإعلاميّة والواقع الاقتصادي تخلق توتّرًا ضمنيًّا، إذ يُعرَض رمضان بوصفه موسمًا للاستهلاك المرتفع، في حين تعيش أسر عديدة حالة تقشّف فعلي.
إنّ قراءة رمضان في لبنان اليوم تكشف عن تحوّل عميق في الممارسات المرتبطة بالشهر الفضيل. فالغلاء لم يُلغِ الطقوس الدينيّة، لكنّه أعاد تشكيلها ضمن حدود الإمكانات المتاحة. من صحن الفتوش الذي لم يعُد بديهيًّا على كل مائدة، إلى لحوم تُستهلك بحساب، ومن موائد أبسط إلى مبادرات تضامن أوسع، يتجلّى رمضان بوصفه مساحة توازن دقيقة بين العبادة والواقع الاقتصادي.

alafdal-news
