د.علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
منذ الردّ الصاروخي الإيراني المفاجئ على الكيان الغاصب أوائل الشهر الجاري، لا يتوقف العديد من أعضاء الكونغرس الأمريكي والنخب الفكرية والإعلامية في الولايات المتحدة ـــ وجميعهم تهرّبوا من الخدمة العسكرية ـــ عن قرع طبول الحرب ضد طهران بهدف الثأر منها على هذا التجرؤ غير المسبوق على إسرائيل، غير آبهين بخطورة هذه الخطوة التي يمكن أن تشعل حربًا عالمية ثالثة.
المخيف في الأمر، أن جوقة المهووسين، وجلّهم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، هم من الذين ربما لم يتمكنوا من الفوز بمعركة واحدة حتى وإن كانت في حانة. والأدهى أنهم يصرّون على جعل الأمر أكثر رعبًا في العالم. وتبعًا لذلك، يُوصف هؤلاء بأنهم "صقور الدجاج"، وهو المصطلح الفني الذي يُطلق على أولئك الذين يدعمون الحروب وينخرطون في خطاب عدواني، لكنهم لم يضعوا أنفسهم يومًا في الخطوط الأمامية.
المضحك المبكي، أنه بالنسبة لصقور الدجاج هؤلاء، فإن الرئيس الأمريكي جو بايدن يبذل الكثير بالفعل لإنهاء الحرب في غزة ولبنان. وتبعًا لذلك، كتبوا مقالات افتتاحية، وأصدروا عشرات البيانات الصحفية، وظهروا على شاشات التلفزيون الوطني الأمريكي، وغرّدوا، عن بعض الاستراتيجيات المعروفة الأكثر أمانًا لمواجهة إيران.
من هم صقور الدجاج؟
في الحقيقة، يُعدّ حاكم ولاية بنسلفانيا الديمقراطي، جوش شابيرو - الذي لحسن الحظ لم يتم اختياره نائبًا للمرشحة الرئاسية كامالا هاريس، على الرغم من أن اسمه طُرح بجدية - من أبرز صقور الدجاج. فقد ادّعى كذبًا ذات مرة أنه تطوع للخدمة في الجيش الإسرائيلي، لكنه ما لبث أن اضطر إلى التراجع هذا الصيف عن مزاعمه بعد أن كشفت صحيفة فيلادلفيا إنكويرر كذبته. ومع ذلك، فإن مثل هذه البطولات الفارغة والمحرجة لم تجعله يلتزم الصمت، بل استمر في محاولة التأثير على أحداث الشرق الأوسط والتحريض على ضرب طهران.
تبعًا لذلك، ظهر شابيرو، النجم الصاعد في الحزب الديمقراطي، هذا الأسبوع على قناة فوكس نيوز وأصرّ على "أننا بحاجة إلى أن نكون أقوياء ضد إيران"، التي وصفها بأنها "ليست صديقة لأحد في العالم المسالم". المفارقة أنه لم يقل كيف يجب أن نكون "أقوياء" على وجه التحديد، لكنه اكتفى بالتمسك بفكرة الرد العسكري القوي بغض النظر عن تداعياته.
وليس هذا فحسب، إذ ذهب بريت ستيفنز من صحيفة نيويورك تايمز أبعد من ذلك بكثير، عندما كتب مقالًا بعنوان "نحن بحاجة ماسة إلى التصعيد في إيران"، قدم فيه حجة متهورة مفادها أن بايدن سيكون مخطئًا في كبح جماح رد إسرائيل على الهجوم الإيراني الأخير.
الطامة الكبرى، أن جنون ستيفنز دفعه إلى الدعوة إلى "رد أمريكي مباشر لا لبس فيه"، وحث بايدن على تدمير مواقع إنتاج الصواريخ الإيرانية "على الأقل". كما شنّ هجومًا على بايدن لاتخاذه نهجًا تصالحيًّا للغاية، إذ ادّعى ستيفنز أن "الأنظمة المتنمرة تستجيب للعصا"، و"يجب خوض الحروب حتى تحقيق نصر لا لبس فيه".
ومثل طفل يلعب لعبة فيديو، تخيّل ستيفنز "قطع رأس حزب الله" و"نزع أحشاء حماس" دون أن ينطق ولو بكلمة واحدة بشأن الدمار الذي يعاني منه سكان لبنان وغزة، أو المخاطر التي سيتعرض لها كل فرد في هذا الكوكب في حال وقعت حرب عالمية ثالثة بالأسلحة النووية.
مراكز الأبحاث والتحريض على ضرب إيران
في الواقع، إن الأكثر إثارة للقلق، هو أن بعض المؤسسات الأكاديمية الأمريكية انضمت إلى الأصوات المحرضة على طهران، وفي مقدمتها مركز الأبحاث "متحدون ضد إيران النووية (UANI) ــــ يعمل فيه أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ــــ الذي كان يردد هذا الرأي المتهور طوال الأسبوع. الجدير بالذكر أن كل ما يصدر عن مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية، يتم أخذه على محمل الجدّ من قبل القيادات الأمريكية، وأحيانًا تُدرجه ضمن استراتيجياتها العملية.
يترأس هذا المركز حاكم فلوريدا السابق جيب بوش، الذي كان قد سجل اسمه للتجنيد والتطوع للالتحاق بحرب فيتنام، غير أنه عدل عن ذلك. كما يضم المركز المسؤول السابق في إدارة جورج دبليو بوش مارك والاس.
أكثر من ذلك، لدى UANI أيضًا مجلس استشاري يمثل صقور الدجاج في مؤسسة السياسة الخارجية، وأبرزهم مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، الذي تجنّب القتال في فيتنام، إضافة إلى شخصيات أقل تطرفًا مثل: غراهام أليسون (وهو محارب قديم في الحرب الباردة في كل من إدارات ريغان وكلينتون، وخريج كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ووكالة الاستخبارات المركزية، ومؤسسات إمبريالية رئيسية أخرى) ودينيس روس، الذي عمل في إدارات أوباما وكلينتون وبوش، والمفكر الوسطي والتر راسل ميد (الذي كان في السابق زميل هنري أ. كيسنجر الأول في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي).
وفي بيان منسوب لبوش ووالاس على الموقع الإلكتروني للمركز - وتم الترويج له عبر منصة X التابعة له – شدد الاثنان على أن "الولايات المتحدة يجب أن تنضم إلى إسرائيل في الرد". وفي وقت لاحق من الأسبوع، وبخا بايدن لرفضه المعقول مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.
في المحصلة، وبينما كان الأمريكيون من الطبقة العاملة وملايين الفيتناميين، واللاوسيين، والكمبوديين والفلسطينيين واللبنانيين، وغيرهم يموتون في فيتنام وفي الحروب الأبدية مثل العراق وأفغانستان، كان صقور الدجاج هؤلاء يتخرجون من المدرسة الإعدادية، وينتسبون للكليات المرموقة، ويحصلون بشكل عام على جميع الفرص المحمية والمريحة التي توفرها الطبقة الحاكمة لشبابها.
والآن، وبعد أن استمتعت هذه النخبة الأمريكية الشابة بالحياة المريحة والمترفة، فإنهم يرغبون هذه الأيام، في الحكم على بقية شباب العالم بجحيم لا نهاية له من القتل والدمار خصوصا في غزة وبيروت وطهران.

alafdal-news
