د. إيلي جرجي الياس - الجمهورية
حقّ الشعب الأرمنيّ الذي تعرّض للإبادة على يد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى بشكلٍ خاصّ، حقّ تاريخيّ ثابت لا يشيخ ولا يموت، خصوصاً على ضوء متابعة الجاليات الأرمنية عبر العالم والشعوب الصديقة، والدولة الأرمنية لهذا الحق المقدّس!!
واستناداً الى مقالتي العلمية: "صمود المناطق اللبنانية بمواجهة مشروع جمال باشا الجريء والخطير!!"، في المجلة العلمية المحكمة تحولات مشرقية، عدد كانون الثاني ٢٠٢١، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أن يكون عشيّة الحرب العالمية الأولى، وزير الخارجية العثمانيّ نورادنجيان وهو أرمنيّ، وأن يكون متصرف جبل لبنان أوهانس باشا وهو أرمنيّ أيضاً، فدليل أنّ القيادة العثمانية العليا أوهمت الأرمن في أنحاء السلطنة العثمانية بالأمن والأمان والصداقة، استعداداً لتنفيذ مشروعها العنيف والعنيد لاضطهاد الشعب الأرمنيّ.
وانطلاقاً من نفس المقالة العلمية، فجمال باشا السفّاح خطّط لتأسيس المملكة الجمالية في لبنان وسوريا، وثمّة احتمال جديّ أن يندرج مشروعه ضمن مشروع الثلاثيّ العثمانيّ الأكثر خطورةً: جمال باشا، وطلعت باشا، وأنور باشا، لاقتسام الإمبراطورية العثمانية بينهم في حال تمّت الهزيمة بعد الحرب العالمية الأولى، وهو مشروع لم يكتب له النجاح.
ولكن عبره يمكن تقدير سلوك العثمانيين تجاه الشعوب والمجتمعات والأعراق والأثنيات والطوائف، الواقعة تحت حكمهم زمن الحرب، اضطهاداً وتنكيلاً ومجاعةً وتعذيباً وموتاً.
كما بالنسبة للشعبين اللبنانيّ والسوريّ والشعوب العربية، والأكراد والأشوريين والسريان، والأرمن الذين تعرّضوا لأقسى وأقصى وأعتى أنواع الاضطهادات.
لذلك يفهم عنوان: الإبادة الأرمنية في سياق تقييم ما حدث، وكلمة إبادة أكثر تعبيراً من كلمتي نكبة ومذبحة، عن الواقع الأليم والمرير والظالم بحقّ شعبٍ أرمنيّ مُسالم وعاشق للسلام.
وانطلاقاً من مذكّرات جمال باشا، والوثائق الألمانية والأوروبية، يمكن إدراك أنّه في مشروع الباشاوات الثلاثة وخصوصاً جمال باشا السفّاح، لا مكان للشعب الأرمنيّ تحت الشمس.
الإبادة الأرمنية إذاً أثقل الجرائم وأعنفها في تاريخ الإنسانية. ولقد أنقذت هذا الشعب الأرمنيّ الراقي إرادة الله كما صلابة هذا الشعب ومقاومته الشرسة.
حتماً لن يرتاح الشهداء الأرمن، ولن تبصر القضيّة الأرمنية أفق الحلّ، إلّا حين تعترف تركيا وريثة الدولة العثمانية بالإبادة الأرمنية وتعتذر عما ارتكب الباشاوات الثلاثة من جرائم يندى لها جبين البشرية.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يحاول الأرمن جاهدين أينما وجدوا في بقاع العالم، وانطلاقاً من الدولة الأرمنية الحديثة، أن يدفعوا تركيا لهذا الاعتذار الضروريّ. وبدل أن تستجيب تركيا، وتغلق جرحاً طويلاً وحاداً، تعمد إلى اللعب على التوازنات الدولية المعقّدة، لتنقذ نفسها من هكذا اعترافٍ واعتذار، يمهّدان الطريق نحو الأمل والسلام والازدهار.
ولكن حركة التاريخ واضحة وحاسمة، فهكذا اعتذار حتميّ، ولو أنّه يحتاج إلى قيادة سياسية جريئة وشجاعة.
وبين الحربين العالميتين الأولى والثانية، اجتهدت الجاليات الأرمنية في كلّ مكان لحشد الدعم للحقّ الأرمنيّ. ولاحت إمكانية خلال الحرب العالمية الثانية، للضغط على تركيا، في سبيل تحصيل حقوق الأرمن السياسية والقانونية والجغرافية.
ولكن من ناصر تركيا في أدقّ تلك الظروف؟ تبرز مؤلفاتي عن الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، دار سائر المشرق، هذه الشخصية: هو السفير الألمانيّ في تركيا، المستشار السابق فرانز فون بابن الذي يدين له أدولف هتلر بالدعم لوصوله إلى منصب المستشار.
هل ساهم ذلك في تبرئة فون بابن في محاكم نورمبرغ؟ على الأرجح، نعم. ولن تكون الدول الكبرى المُنتصرة في الحرب العالمية الثانية، مستعدّة سنة ١٩٤٥، لنصرة الارمن، وهي جاهزة بعد ثلاث سنوات أي سنة ١٩٤٨، لتكون الشاهد الصامت على نكبة فلسطين…

alafdal-news
