د. علي دربج - خاص الأفضل نيوز
من منّا لا يعرف أو لم يسمع أو يقرأ عن الوحدة 8200، أشهر أذرع الاستخبارات الإسرائيلية، التي ذاع صيتها الدموي في العقد الأخير بسبب دورها الرئيسي بمقتل عشرات آلاف الأشخاص خصوصًا أثناء حربي غزة ولبنان، كونها تُعدّ فخر صناعة الموت الصهيوني.
وما زاد الطين بُلة، هو أن هذه الوحدة الإلكترونية استبدلت القدرات والكفاءات البشرية المتمثلة بعناصرها وضباطها (الذين كانوا يتولون عمليات الرصد والمتابعة والتحليل والتشخيص)، وأصبحت تعتمد كليًا في السنوات القليلة الماضية على الذكاء الاصطناعي، لتسريع صناعة وإنشاء قاعدة الأهداف، الأمر الذي انعكس في ارتفاع غير مسبوق في أرقام الضحايا المدنيين في لبنان وفلسطين ـــ غالبيتهم من المدنيين والأطفال ـــ منذ 7 أكتوبر 2020."
أما هذه النقلة النوعية في عمل الوحدة، فبدأت رحلتها على يد رئيسها الحالي يوسي سارييل، الذي نجح بفرض نظرته الخاصة لأهمية الذكاء الاصطناعي، متحدثًا عن الإنجازات التي ستحقق للكيان الغاصب، وهو ما نجح بوضعه موضع التنفيذ لاحقًا.
ومن هو يوسي سارييل؟ وكيف أدخل الذكاء الاصطناعي على الوحدة 8200؟
في عام 2019، أي قبل عامين من توليه منصب قائد الاستخبارات، أمضى الرئيس الحالي للوحدة يوسي سارييل، إجازة عمل لمدة عام في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية، وهي مؤسسة ممولة من البنتاغون في واشنطن تدرب قادة الأمن القومي من جميع أنحاء العالم. وبشهادة أستاذ في الجامعة (رفض الكشف عن هويته) لصحيفة الواشنطن بوست، كشف الأخير "إنه وسارييل يتقاسمان رؤية متطرفة للذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة، حيث جادلا بأنّ على إسرائيل أن تمضي قُدمًا متجاوزةً الحذر الذي يبديه حلفاؤها الأمريكيون".
لذا، وخلال إجازته، ألّف سارييل كتابًا بعنوان "فريق الإنسان والآلة: كيفية خلق التآزر بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي" ــ كان نُشر تحت اسم مستعار ــ قدّم فيه رؤيته لغرس الأتمتة (أي Automation، وهي عملية استخدام التكنولوجيا والأنظمة لأداء المهام أو العمليات تلقائيًا دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر) في مؤسسات الأمن القومي الإسرائيلية.
يشرح سارييل في كتابه كيف يمكن التنبؤ بتصرفات الإرهابيين المنفردين مسبقًا عبر إطلاق العنان للخوارزميات (هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما) لتحليل مواقع الهواتف، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، واللقطات المرسلة من الطائرات بدون طيار، والمقاطع الصوتية التي تم اعتراضها، فضلًا عن الاتصالات الخاصة.
ويستفيض سارييل في تفنيد رؤيته الواسعة، بالإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيشمل جميع جوانب الدفاع، في وقت السلم والحرب. وعليه، من خلال استخدام تقنيات المراقبة بهذا الذكاء، ستصبح حدود إسرائيل "حدودًا ذكية". ويؤكد سارييل أنه عبر جمع الآثار الرقمية، يمكن للجيوش إنشاء "بنوك أهداف" متقدمة تحتوي على أسماء ومواقع وأنماط سلوك لآلاف المشتبه بهم. ويخلص إلى أن هذه التقنيات يمكن أن تحل محل 80% من محللي الاستخبارات المتخصصين في اللغات الأجنبية في فترة خمس سنوات فقط.
المثير أن سارييل عاد إلى إسرائيل، وجعبته مليئة بالخطط لتحقيق أفكاره أعلاه. لذلك عيّنه أفيف كوخافي، في صيف 2020 رئيس أركان الجيش آنذاك وداعمًا كبيرًا لأدوات الذكاء الاصطناعي، على رأس قيادة الوحدة 8200، أكبر وأهم أقسام الجيش الإسرائيلي.
استغلال الوحدة 8200 لكنز الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي
في الحقيقة، عندما تولى سارييل رسميًا منصب القائد في فبراير 2021، كانت الوحدة 8200، قد أمضت أكثر من سبع سنوات في تجربة علوم البيانات، وفقًا لخمسة قادة عسكريين سابقين، حيث شكلت الفورة المذهلة على مستوى التطور الذي حصل في الاتصالات الرقمية، كنزًا ثمينًا لوكالات الأمن القومي في إسرائيل.
ونتيجة لذلك، اكتسبت الوحدة النخبوية 8200 سمعةً طبية في أوساط المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لجمعها مجموعة واسعة من المحادثات المباشرة والخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، ورسائل البريد الإلكتروني، وسجلات المكالمات، وغيرها من "الوسائل الرقمية" عبر تقنيات سيبرانية طُوّرت داخليًا، وتعتبر من الأفضل في العالم. ومع ذلك، احتاج خبراء السيبرانية في الوحدة 8200 إلى طرق لفهم البيانات التي جمعوها.
حرب تموز 2006 والتعلم من الإخفاقات بالاتصالات
في أعقاب الإخفاقات بالاتصالات التي عانت منها إسرائيل خلال حرب عام 2006 ضد حزب الله، أعاد جيش الاحتلال تقييم استراتيجيته لمشاركة المعلومات والبيانات. في ذلك الوقت، لم تكن وحدات الاستخبارات تشارك عادةً المعلومات مع الجنود في ساحة المعركة، بحسب بن كاسبيت، كاتب عمود إسرائيلي في موقع "المونيتور"، والذي يكتب كتابًا عن الوحدة 8200.
وتداركًا لتكرار هذه العزلة مجددًا، طور كل من: الموساد، ووكالة التجسس الإسرائيلية، والوحدة 8200، قاعدة بيانات تُسمى "المسبح أو المجمع" لتكون مستودعًا واحدًا يحتوي على كافة المعلومات الاستخباراتية العسكرية.
أكثر من ذلك، وبعد حدوث طفرة "البيانات الضخمة" في وادي السيليكون (هو مركز عالمي لصناعة التكنولوجيا والابتكار في كاليفورنيا، يضم شركات تقنية كبرى مثل Google وApple، بدأ المهندسون الإسرائيليون في تجربة أدوات استخراج البيانات الجاهزة التي يمكنها ترجمة وتحليل اللغتين العربية والفارسية. كما ناقش قادة الوحدة ما إذا كان عليهم التعاقد مع خبراء، مثل شركة استخراج البيانات Palantir الموجودة في وادي السيليكون، أو تطوير برامجهم الخاصة وبالنهاية، وقع الاختيار على تطوير البرامج داخليًا.
لكن على الرغم من أن هذه التقنيات كانت تُعتبر واعدة على نطاق واسع، إلا أنها كانت تحمل قيودًا. في بعض الأحيان، كان الحجم الكبير للاعتراضات يفوق قدرة محللي الوحدة 8200. على سبيل المثال، غالبًا ما كان عناصر "حماس" يستخدمون كلمة "بطيخ" كرمز للقنبلة، وفقًا لما قاله أحد الأشخاص المطلعين على جهود الوحدة.
غير أن النظام لم يكن ذكيًا بما يكفي لتمييز الفرق بين محادثة عن بطيخ حقيقي، ومكالمة مشفرة بين "عناصر من حماس". وأضاف الشخص "إذا كنت تلتقط ألف محادثة يوميًا، فهل أريد حقًا أن أسمع عن كل بطيخة في غزة؟"
سارييل وحرب لبنان وإنشاء "مصانع الموت بالذكاء الاصطناعي"
بعد انتقاله إلى القيادة العليا، قام سارييل بتسريع جهود التنقيب عن البيانات. ولهذا دافع عن عملية إعادة تنظيم واسعة النطاق قسمت الجهود الاستخباراتية إلى ما أشار إليه القادة باسم "مصانع الذكاء الاصطناعي" الموجودة في "مركز الأهداف" الذي تم إنشاؤه حديثًا في قاعدة نيفاتيم الجوية، جنوب إسرائيل.
ولهذه الغاية، استثمر جيش الاحتلال في التقنيات السحابية (مجموعة من الخدمات والموارد التي تُقدّم عبر الإنترنت، مما يسمح للأفراد والشركات بالوصول إلى البيانات والتطبيقات والبرمجيات دون الحاجة إلى امتلاك أو إدارة الأجهزة أو الخوادم بأنفسهم) الجديدة التي تعالج الخوارزميات بسرعة، استعدادًا لصراع متوقع مع حزب الله على الحدود الشمالية لفلسطين.
في المحصّلة:
وضعت الوحدة 8200 عدة تطبيقات كانت قد استخدمت في حرب لبنان الأخيرة، أبرزها تطبيق يسمى "هانتر" Hunter يسمح للجنود في ساحة المعركة بالوصول مباشرة إلى المعلومات. كذلك قامت الوحدة ببناء تطبيق آخر للهاتف المحمول يسمى Z-Tube حيث يمكن لجنود الجيش الاحتلال الإسرائيلي في المعركة مراجعة الفيديو المباشر للمناطق التي كانوا على وشك دخولها. علاوة على ذلك استخدم الاحتلال بمعاركه مع حزب الله، تطبيق آخر يسمى Map It، والذي قدم تقديرات في الوقت الفعلي للخسائر المحتملة في صفوف المدنيين في منطقة معينة تم إخلاؤها من قبل.
الحلقة الثالثة: الذكاء الاصطناعي وإنشاء الاحتلال ل 100 هدف في اليوم الواحد".

alafdal-news
