د. علي ناصر ناصر - خاصّ الأفضل نيوز
تمهيد
تقاس الأهداف كمياً ونوعياً والقياس الكمي مرتبط بالأرقام والإحصاءات والبيانات، بينما القياس النوعي يتناول خصائص وصفات يصعب قياسها بدقة، وفي كلتا الحالتين تحقيق الأهداف يفترض تقييماً علمياً ويعتمد على مجموعة من المعايير تتعلق بالهدف نفسه وطبيعته الكمية والنوعية.
وينطبق ذلك على الحروب بحيث يمكن قياس الأهداف الكمية بعدد القوات العسكرية أو الآليات العسكرية التي تم القضاء عليها، أو الأبنية التي تم تدميرها، أو كلفة الخسائر الاقتصادية التي وقعت أثناء الحرب.
وفي السياق نفسه، يأتي تقييم الأهداف النوعية في الحروب ليشمل التأثير على الروح المعنوية للمجتمعات والقوى المقاتلة، بالإضافة إلى التأثير الاستراتيجي طويل الأمد على الأطراف المتحاربة، ونشر الفوضى وزعزعة الاستقرار.
يمكن تصنيف الحروب في العالم بالمعنى الواسع للكلمة إلى حروب تقليدية حيث يتواجه جيشان نظاميان مباشرة، وهناك حروب غير تقليدية مثل حروب العصابات التي تقوم بها جماعات وكيانات مسلحة ضد قوة أو جيش احتلال. ووقائع الربح والخسارة في الحروب غير التقليدية تختلف عن الحروب التقليدية، بحيث أن حرب التحرير يتحقق فيها النصر بمجرد خروج المحتل لأن الانسحاب هنا يعني الهزيمة وعدم القدرة على البقاء، واستمرار الاحتلال، وهكذا تكون جميع حروب التحرير التي تؤدي إلى خروج المحتل، هي بالضرورة نصر تحققه المقاومة مهما بلغت الخسائر، فالقياس الوحيد هنا للخسارة والهزيمة هو بقاء الاحتلال أو خروجه.
من جهة أخرى، تعتبر الحرب التقليدية حيث يتواجه بشكل مباشر ووجهاً لوجه بمختلف أنواع الأسلحة، جيشان أو قوتان أو أكثر، في البر والبحر والجو، على حدود جغرافية محددة وواضحة. تختلف معايير الربح والخسارة في هذه الحرب عن الحرب غير التقليدية بحيث تدخل مجموعة من العوامل الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في عملية التقييم، والاعتماد على عامل وحيد يشكل اجتزاءً للحقيقة الكاملة بحيث أن للطرفين أهدافاً يعمل كل طرف على تحقيقها والخسائر تتفاوت بين الفريقين وفقاً للتصنيفات الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية والمدنية وجميعها تحتاج لتقييم دقيق وموضوعي.
الحقائق التي تخضع للتقييم:
1- تقييم القرار نفسه الذي اتخذ في خوض الحرب، يعتمد تقييم قرار خوض الحرب على القوى التي اتخذت القرار، والمعطيات التي تملكها ودفعتها لاتخاذ القرار، والآلية التي اعتمدت في صناعة القرار نفسه. بالإضافة إلى أن تقييم القرار يعالج البدائل والخيارات السلمية الممكنة، وتقييم إمكانية تجنب الحرب عبر الدبلوماسية. ويشمل تقييم قرار الحرب، التوقيت لبدئها، والتعامل مع التوازنات والتحالفات الدولية، وفق تقييم للاتجاهات السائدة ومدى فعاليتها فيما يتعلق بالتحالفات والخصومة والحياد، وتقييم القرار يرتبط بنتائج الحرب ومدى تحقيق الأهداف التي وضعت للأطراف المشاركة فيها.
2- مدى تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية للحرب.
ترتبط الحروب تلقائياً بمجموعة من الأهداف السياسية والعسكرية، وعادةً تكون مترابطة، فالأهداف العسكرية من احتلال الأراضي، وتجاوز حدود العدو، أو تدمير قوة العدو وقدراته العسكرية، أو قطع خطوط وطرق الإمداد، تؤدي إلى فرض شروط سياسية مرتبطة بالموقف السياسي اتجاه القضايا المطروحة على الساحة الدولية والإقليمية، والتراجع إزاء التزامات معينة، وقد تخلق نوعًا من التبعية السياسية والاقتصادية.
والأهداف السياسية للحروب بطبيعتها تفترض الأعمال العسكرية وتتحقق بتحقق الأهداف العسكرية، ولكنها تكون قائمة بذاتها، وتظهر على شكل حفظ النظام السياسي القائم، وإزالة التهديد القائم على الأمن القومي للدولة.
الجدير بالذكر أن الأهداف السياسية ليست ردعية فقط، بل قد تكون هجومية مثل زيادة النفوذ السياسي والهيمنة الإقليمية، وتغيير موازين القوى القائم. وهناك أهداف اقتصادية وتفاوضية تسعى الدول إلى تحقيقها عبر الحروب. وجميع هذه الأهداف تبقى فعاليتها بمدى توافقها مع الطبيعة الواقعية للهدف وإمكانية تحقيقه، وقياس تحقيقها نسبي وليس مطلق.
3- الخسائر البشرية والمدنية التي تقع على المدنيين والبنية التحتية، تتفاوت بين القوتين بحسب قوتهما والكثافة النارية للطرفين، تشمل ليس فقط الجنود والقوات العسكرية المشاركة في الحرب بل تشمل البيئة والمدنيين الذي يتأثرون بالأعمال العسكرية، في الحقيقة يعتبر قصف وقتل المدنيين في الحروب أداة تستخدم من الدولة التي تملك تفوقًا ناريًّا وعسكريًّا، فتمارس بطشها، لمضاعفة خسائر الطرف الآخر، وأحياناً لإحراجه، والضغط عليه في المفاوضات، أو لجلبه إليها، والآثار الإنسانية لتلك الخسائر لها أبعاد معنوية واجتماعية تحفر عميقاً بتجربة رؤية تلك المجتمعات.
وتشمل الخسائر المدنية ضرب وتدمير البنية التحتية للمجتمعات البشرية، من كهرباء ومياه ومستشفيات وقصف المنازل المدنية، وتحدث هذه العمليات بفعل الساحة أو المكان الذي يشهد أعمال الحرب نفسها، أو من خلال القصف العشوائي الذي يطال مختلف المناطق البعيدة عن أماكن القتال.
والخسائر البشرية تشمل أيضاً النسيج الاجتماعي والمأساة التي تلحق به بفعل الهجرة القسرية والتفكك الأسري أو التشرد، والفقر أو البطالة التي تصيب مختلف الأفراد، ناهيك عن الآثار النفسية التي تتركها الحروب على الأفراد والجماعات البشرية على مستوى الثقافة والسلوك.
تعمل بعض الدول المتحاربة على تخطي الضوابط القانونية الدولية، وخلق الحجج من أجل قتل المدنيين وإلحاق الضرر في البنية التحتية للخصم باعتباره من أكثر العوامل خطورة على البنية والهيكلية الاجتماعية والنفسية للأطراف المتصارعة، وتحمل في مضمونها عقابًا سياسيًّا على الخيارات القائمة، والخطورة تكمن في معالجة هذه الخسائر نتيجة التأثير العميق الذي تتركه على النسيج القائم.
4- المكاسب والخسائر العسكرية والأمنية، بطبيعتها لها تأثير مباشر وواضح وحاسم في ربح الحرب أو خسارتها، والخسائر العسكرية والانتكاسة الميدانية للقوة المقاتلة تضعف طرفًا وتقوي الآخر، ولها دور رئيسي في نتائج الحرب، ويترجم ذلك بخسائر مباشرة، تطال الأدوات والمعدات والبنية والتجهيزات العسكرية، والخسائر الأمنية والاغتيالات التي تنفذ أثناء الحرب التي تحمل في مضمونها تفوقًا تكنولوجيًّا وتقنيًّا، تضرب الروح المعنوية للأطراف المتصارعة وتخلق الإرباك، وتعطي الطرف الآخر تفوقاً وقدرة يسمحان له بفرض إرادته السياسية.
5- المكاسب والخسائر الاستراتيجية، تحتوي في مقدمتها المكاسب الجيوسياسية التي حققتها الدول أو الكيانات السياسية في أثناء الحروب، مما يحقق زيادة نفوذها الدولي والإقليمي، فالتحكم في رقعة جغرافية أو احتلالها يعزز من نفوذ الدولة، بينما الدولة التي فقدت جزءًا من جغرافيتها أو السيطرة عليها يضعف نفوذها ومكانتها.
يدخل ضمن هذا المعيار الوضع القائم قبل الحرب والتغييرات التي حصلت بعد الحرب ودرجة التغيير الذي تقاس بالقوة والسيطرة التي حققتها الأطراف المتحاربة وتشمل الممرات التجارية والاقتصادية والعسكرية الرئيسة والقدرة على التحكم بها.
6- المكاسب والخسائر الاجتماعية والاقتصادية، يرتبط هذا المعيار بالدرجة الأولى بدرجة التضامن الاجتماعي والتعاطف مع أفراد المجتمع وتقديم المساعدات والعون للمتضررين منهم، والوقوف معهم من أجل مواجهة التحديات، وتقديم العون المعنوي والنفسي لهم، بينما الخسائر الاجتماعية تظهر من خلال رفض كل أنواع التضامن والمساعدة مع الأفراد والبيئة المتضررة وعدم الاكتراث، وهنا يظهر الخلل والفرقة الاجتماعية وتكون الحرب دافعاً يزيد الوحدة والتضامن الاجتماعي أو دافعاً نحو الخلل المجتمعي وبداية الانقسام الاجتماعي الذي سيدفع نحو الفعل السياسي.
خاتمة
ترتبط جميع هذه المعايير مع بعضها البعض بعلاقة معقدة، وتعمل جميعها ضمن سياق من الوقائع والتكتيكات التي تفرض نفسها في أثناء الحرب، فالضرر يقع على جميع الأطراف، ونوعية الضرر قد تكون أحد المؤشرات أحياناً، وتدخل في عملية القياس، أما المقاومة التي تهدف إلى تحرير الأرض، فمهما قدمت من خسائر بشرية واقتصادية وتمكنت من تحرير أرضها أو تغيير نظام الحكم فتكون حققت نصراً استراتيجياً حاسماً، ومع عملية التطور والتقدم التكنولوجي، قد تضاف معايير جديدة تتعلق بالسلوك والسمعة نفسها وانعكاسها على الدولة والجنود الذين يشاركون في القتال سواء من حيث التداعيات القانونية والقضائية والاجتماعية.

alafdal-news
