نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان منذ عام 2019، شهد القطاع المصرفي تقييداً حاداً في عمليات السحب والتحويل، مما أثر بشكل كبير على قدرة المودعين في الوصول إلى أموالهم.
وفي هذا السياق، يكثر الحديث عن توجه جديد لمصرف لبنان يقضي برفع سقف السحوبات المالية الشهرية للمودعين، في خطوة تهدف إلى تخفيف القيود النقدية وتوفير بعض المرونة في استخدام الأموال، ومن المتوقع أن تُرفع السحوبات بموجب التعميم 158 من 500 دولار شهرياً إلى 800 أو 1000 دولار، وبموجب التعميم 166 من 250 دولار إلى 400 دولار.
يأتي هذا القرار ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي، وتحريك العجلة الاقتصادية الداخلية، خصوصاً في ظل الانخفاض الكبير في القدرة الشرائية وارتفاع نسبة الاعتماد على السيولة النقدية في التداول اليومي.
كما يعكس هذا التوجه محاولة من قبل مصرف لبنان للتعامل مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة، من خلال السماح للمودعين بسحب مبالغ أكبر من حساباتهم، سواء بالليرة أو بسعر صرف محدد للدولار، حسب التعميم الذي يصدر.
ورغم أن القرار قد يُنظر إليه بإيجابية من قبل بعض المودعين، إلا أنه يثير أيضاً مخاوف اقتصادية من انعكاساته على حجم الكتلة النقدية في السوق وعلى التضخم، لا سيما في حال لم يكن جزءاً من خطة شاملة للإصلاح المالي والنقدي.
من هذا المنطلق، يقول الخبير والباحث في الشؤون ،الاقتصادية والمالية، محمود جباعي إنه "إذا تم فعلاً رفع سقف التعاميم المصرفية فهذا الأمر يعتبر إيجابياً وأفضل بالنسبة للمودعين، وبالتأكيد ليس الحل الشامل لأزمة المودعين ولكنه جزئي. وما يجري من رفع في سقف السحوبات أمر ضروري بانتظار الحل الشامل الذي ينهي الأزمة".
ويتابع: "الجميع يعلم أننا حتى اللحظة في مرحلة إعادة الهيكلة وتحديد الفجوة المالية وتحديد الخسائر ومن المحتمل أن تأخذ وقتاً، لذا كان من المفترض على المصرف المركزي أن يبادر ويرفع سقف السحوبات تدريجياً، لأنه وبهذه الخطوة يتمكن من تحسين القدرة الشرائية للمودع بعد ارتفاع الأسعار الكبير والتضخم السنوي الكبير. وبعد الحديث عن سلسلة الرتب والرواتب، فتلقائياً يجب أن تترافق مع زيادة بسقف السحوبات".
ويعتبر جباعي أن "رفع السحوبات ليس الحل الشامل للمودع، فهو بانتظار خارطة طريق لاسترجاع كامل أمواله، ولكن المبادرة كانت جيّدة ولافتة من قبل المصرف المركزي، لأن اليوم رفع حجم السيولة النقدية بالدولار قد يساهم في الاستقرار النقدي في مكان ما وأيضاً قد يساهم في تحسين الحركة الاقتصادية للبلاد".
وفي سياق متصل، يوضح جباعي أنه "في حال غياب الحلول الشامل لقضية المودعين وغياب الرؤية الواضحة لأزمة المواطن اللبناني، فبالتأكيد على المصرف المركزي أن يلاحق على الزيادة زيادة أخرى، حتى يصل إلى مرحلة يتمكن من خلالها تحصيل أمواله من المصارف عبر المصرف المركزي".
وفي الوقت عينه، يؤكد جباعي على نقطة مهمة وهي أن "مصرف لبنان لا يستطيع حل أزمة المودعين بمفرده وبسعيه وحده، فالمصرف المركزي يمتلك اليوم حوالي ال10.5 مليار دولار فريش ويتحرك فيهم من خلال رفع هذه السحوبات، ولكن الأمور باتت واضحة جداً بأن استرجاع أموال المودعين مسؤولية الدولة اللبنانية والمصارف لى جانب مصرف لبنان، ليتمكنوا من تأمين السيولة ولتصبح الفرص والإمكانية أكبر بكثير لحل هذه الأزمة".
في الخلاصة، إن التوجه المتوقع لمصرف لبنان نحو رفع سقف السحوبات الشهرية يشكل مؤشرًا على محاولة جديدة لاحتواء الأزمة النقدية وتخفيف الضغط عن المودعين الذين عانوا من قيود قاسية منذ اندلاع الأزمة المالية. ورغم أن القرار لم يُصدر رسميًا بعد، إلا أن التوقعات تعكس اهتمامًا متزايدًا من السلطات النقدية بتحسين القدرة الشرائية وتحفيز الدورة الاقتصادية، ولو جزئيًا. تبقى فعالية هذا الإجراء مرهونة بتنفيذه ضمن رؤية إصلاحية متكاملة، تضمن استقرار النقد وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني على المدى البعيد.