بسام مقداد
الأزمة الأوكرانية المتفجرة تصيب العالم بأسره بصداع تزيده ألماً مواعيد إندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا التي تضربها مواقع الإعلام الغربية. كما يرفع حدة الصداع إجلاء الولايات المتحدة وعدد من حلفائها سفاراتها من كييف ونقل خدماتها القنصلية إلى مدينة لفوف غربي أوكرانيا، في حين أن البلدان الأوروبية تبقي على سفاراتها في العاصمة الأوكرانية. وكالة الأنباء الأميركية Bloomberg نقلت عن مصادرها أن الهجوم الروسي على أوكرانيا يبدأ في 15 الجاري، بينما تقول "دير شبيغل" الألمانية أن الهجوم ينبغي توقعه في 16 الشهر عينه. وكانت الوكالة الأميركية قد اعتذرت مطلع الشهر الجاري عن خطئها في تحديد موعد إندلاع الحرب، لكنها عادت لاحقاً ونقلت عن مسؤول أميركي قوله بأنها ستندلع قبل نهاية الألعاب الأولومبية في 20 الجاري. صحيفة Politico الأميركية نقلت عن الرئيس الأميركي قوله في إجتماع عن بعد مع الزعماء الأوروبين والناتو بأن الهجوم الروسي سيبدأ الأربعاء في 16 الجاري. مستشار الأمن القومي الأميركي جيك ساليفان دعا الأميركيين نهاية الآسبوع المنصرم إلى مغادرة أوكرانيا خلال 24-48 ساعة.
وحدها متابعة هذه التوقعات ومصادر بثها تكفي للإصابة بالصداع. لكن يبدو أن الأوكرانيين والروس هم وحدهم، من بين سائر العالم، لا يعانون من الصداع، أو يعانون من صداع أقل حدة. على الأقل هذا ما يؤكده التواصل مع الأصدقاء في كل من موسكو وكييف.
مراسلة صحيفة Novaya الروسية المعارضة في كييف أوليا مسافيروفا، وفي تواصل هاتفي معها صباح أمس الإثنين، قالت ل"المدن" بأنها جالت الأحد على ثلاثة سوبرماركت ورأت كيف يقبل الناس على شراء الثياب الربيعية ويتسوقون حاجاتهم اليومية من السلع، وليس بكميات تشير إلى النية في تخزينها. وحاولت مع أسرتها تناول طعام الغداء، إلا أنها فشلت في دخول مطعمين لعدم وجود طاولات فارغة. وتقول أن حديث الحرب لا يطغى على الكلام في الشارع والتجمعات، إلا أن هذا لا يعني أن الخشية من وقوع الحرب ليست موجودة لدى الأوكرانيين، لكنها خلف مشاغلهم اليومية الحياتية. وتقول بأن الصمت المطبق عن كلام الحرب يسود بين أولئك الذين عاشوا أهوالها في مناطق الدونباس ودانتسك وسواها، وهجروا من منازلهم التي نهبت محتويات ما سلم من الدمار.
في إجابتها عن الأسئلة التي طرحتها عليها "المدن"، غير السؤال عن حياة الشارع الأوكراني اليومية، قالت أوليا بأن دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الرئيس الأميركي جو بايدن لزيارة كييف، هي دعوة في وقتها تماماً. وترى أن زيلينسكي محق في قوله بأن الزيارة تساهم في التخفيض من حدة التوتر المتصاعدة مع كل ساعة تمر، إلا أن الرئيس يدرك أن هذه الزيارة لن تتم، في الوقت الذي تجلي فيه الولايات المتحدة سفارتها من كييف وتدعو رعاياها الى مغادرة أوكرانيا على وجه السرعة.
وعن التناقض في تصريح الرئيس الأوكراني بأن غاية الكرملين من تصعيد التوتر ليس الوصول به إلى الحرب، بل بث الذعر في نفوس الأوكرانيين وإثارة البلبلة والفوضى في الشارع الأوكراني. قالت بأن الأوكرانيين يعيشون الحرب منذ ثماني سنوات ويعرفون تماماً سلوك الكرملين، حيث يصعد في كل مرة يتفاقم فيها صراعه مع الغرب. أما بشأن كثافة الحشود الروسية هذه المرة من الشرق والشمال، ومناوراتها المفاجئة مع بيلوروسيا على الحدود مع أوكرانيا، والمستمرة بين 11 و20 من الشهر الجاري، وحشد أساطيلها البحرية في البحر الأسود وبحر آزوف والمتوسط، فتقول أن استبعاد المسؤولين الأوكران لسيناريو الحرب لا يعني عدم الإستعداد لها.
وبشأن موقف الأوكرانيين من تصريحات الأميركيين والأوروبيين وتأكيداتهم بأنهم لن يخوضوا الحرب إلى جانب أوكرانيا في حال حصولها، وسيكتفون بفرض عقوبات "مؤلمة" على روسيا، قالت أوليا بان دفعات الأسلحة التي أرسلها الغربيون إلى أوكرانيا، لو كانوا أرسلوا اقل منها بكثير العام 2014، لما كانت هُزمت أوكرانيا في المواجهة مع روسيا. لكنها تعترف بأن موقف الغربيين هذا يشجع الكرملين على المضي في التصعيد وتكثيف الحشود العسكرية، بل قد يساهم في اندفاعه حتى إشعال الحرب. وهي تفرق بين موقف الأميركيين وموقف الأوروبيين حيال روسيا والأزمة الأوكرانية، حيث أن الأوروبيين ليسوا شديدي الحماسة للقطع مع روسيا وخسارة التبادل التجاري معها.
من جانب آخر، أرسلت "المدن" السبت الماضي أسئلة إلى سكرتارية الرئاسة الأوكرانية، وحاولت الأحد التواصل هاتفياً مع كل من سكرتارية الرئاسة وسكرتارية وزارة الدفاع، وذلك لافتراض بأن الحالة الراهنة لا تسمح لمثل هاتين الإدارتين بترف التعطيل يوم الأحد. لكن سكرتارية الرئاسة لم تجب على الهاتف في أكثر من محاولة نهار الأحد، بينما أجابت على الفور نهار الإثنين، مما يوحي بعطلتها نهار الأحد. أما سكرتارية وزارة الدفاع فأجابت على الفور نهار الأحد، وأحالتنا، رداً على الأسئلة، إلى بيان مشترك لوزير الدفاع الأوكراني وقائد الأركان صدر السبت في 12 الشهر ونشرته الوزارة على موقعها الرسمي وأشارت إليه الصحف العالمية. كان من اللافت في الحالتين الإصرار على التحدث بالأوكرانية رغم التأكيد بعدم معرفتها، ولم تكن مستغربة لغتهما الروسية الصافية حين تحدثتا بها.
البيان الذي أحالت إليه سكرتارية وزارة الدفاع، أرسلته بالأوكرانية، ولم ترسله بالروسية إلا بعد الشكوى من عدم دقة ترجمة غوغل. كان بيان "شد عصب" موجه للأوكرانيين، تضمن القليل من الوقائع والكثير من الإدعاءات التي يصعب تصديقها، على غرار القول بأن أوكرانيا أصبحت تملك "أقوى جيش في أوروبا". وفي حين يقول الإعلام الغربي أنه، في حال نشوب الحرب، لن تحتاج روسيا لأكثر من 72 ساعة للوصول إلى العاصمة كييف، يقول البيان بأن أوكرانيا على أتم الإستعداد لسيناريو الحرب، وأن جيشها لم يعد كما كان في العام 2014 ولن يلاقي الأعداء بالورود، بل "أهلاً بكم في الجحيم".
المؤرخ الروسي الكبير المناهض بشدة لسلطة بوتين أندريه زوبوف نشر في موقع إذاعة "صدى موسكو" نصاً بعنوان "كم كنت أود أن أكون مخطئاً". يقول المؤرخ أن جميع المفاوضات بشأن أوكرانيا مع الغرب فاشلة، وقال لافروف بعد لقائه وزيرة خارجية بريطانيا "الحديث حوار طرشان"، ويعتبر هذا القول نهاية الدبلوماسية. وعلى العكس كانت المفاوضات في بكين مع الرئيس الصيني إيجابية للغاية، وعلى الرغم من أن نتائجها لم تعلن، إلا أن بوتين بدا راضياً جداً. ويتساءل ما إن كان قد ظهر محور أم أن الطريق إليه لا زالت تُمهد. اليوم (11 الشهر) بدأت مناورات مع بيلوروسيا يشارك فيها 30-50 ألف عسكري من الجانبين وفي منطقة قريبة جداً من الحدود الأوكرانية البيلوروسية والكثير من الصواريخ والآليات الثقيلة، ويقودها قائد الأركان الروسية بنفسه.
ويعدد المؤرخ الحشود التي تأتي بها روسيا من أقاصي شرق سيبيريا والسفن تأتي بها من المحيط الهادىء، وكل هذا يكلف مبالغ هائلة. ويقول بأن البندقية إما تطلق النار قبل 19 الشهر الجاري، أو تعاد إلى مكانها في 20 منه. خاصة وأن الظروف المناخية بعد 20 الشهر تجعل من الصعب تنفيذ غزو أوكرانيا من بيلوروسيا. وهذا يعني إما الغزو بين 15 و19 من الشهر أو العودة إلى المواقع.
وينتهي إلى القول بأن إحتمال النهاية السلمية للأزمة الحالية ينخفض مع مرور كل ساعة. فالكرملين ينفذ منذ آخر تشرين الثاني/نوفمبر، وبدقة وعدم مرونة فائقة، سيناريو مختلف تماماً. وينهي بالقول بأن هذا السيناريو مؤذٍ لروسيا أكثر من سواها.
المصدر:المدن

alafdal-news
