- ريما فرح
- المصدر: الميادين نت
الناس في وادٍ وغالبية القوى السياسية في وادٍ آخر منفصل، ولا يخجل المسؤولون في طلب تأييد المواطنين والتصويت لهم بكثافة.
يمضي اللبنانيون معظم أوقاتهم ممسكين بهواتفهم، لا همّ لهم، سواء فازوا بإتمام مكالمتهم دفعة واحدة أم بتقطع عشرات المرات، نظراً إلى رداءة خدمة الإنترنت والاتصال وشح المحروقات التي تغذي المحطات بالكهرباء، كي يتحدثوا كلاماً يتردّد بشكل متواصل ومن دون انقطاع، عن فاتورة مولد الكهرباء (وهي بالمناسبة بالملايين)، وعدد ساعات التقنين، وسعر قارورة الغاز، وسعر اللحوم والدجاج والبيض والألبان والأجبان (وبالمناسبة، صار تناولها ضرباً من البذخ والترف)، وأسعار الخبز، وأسعار المحروقات للتدفئة، وأعداد الإصابات اليومية بكورونا، وعدد الوفيات، وتسعيرة فحص فيروس كورونا، والأدوية المفقودة، وأسعارها التي تضاعفت مئات المرات، وعدد الأطباء والممرضين الذين هجروا المستشفيات بحثاً عن مصدر رزق في أيّ مكان.
ولا ينسون مواعيد تقديم طلبات الحصول على جوازات السفر، ومواعيد استلامها (وهي تستغرق شهوراً، مع الانتظار بالطابور، نتيجة أعداد المتقدمين للسفر)، ومواعيد المقابلات في السفارات للحصول على تأشيرة دخول أو هجرة، وسعر صرف الدولار، وقيمة سحوبات الصرافات الآلية المسموح بها شهرياً أو أسبوعياً من المصارف، وأموال المودعين المتبخرة والمحجوزة والمبددة، والإذلال الذي يعانونه أمام الصراف الآلي، ولسان حاله: "عذراً، تجاوزت السقف المسموح أو العملية مرفوضة"، وغيرها من تعابير النصب والاحتيال المصرفية الجديدة.
كل ذلك يضاف إلى العديد من الهموم المعيشية التي يعيشها اللبناني كلّ دقيقة وكلّ ساعة، وسط شلل شبه تام في إدارات الدولة ومؤسساتها التي تعدّ مهمتها الأساسية تسيير أمور النّاس، جراء غياب العاملين فيها، العاجزين عن الوصول إليها جراء الارتفاع الجنوني في كلفة المواصلات.
وسط هذا كلّه، وفي ظل غرق اللبنانيين بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المزرية، يطلع عليك في المقابل حزب من هنا وآخر من هناك، ومجموعة من هنا وأخرى من هناك... ليطلقوا شعاراتهم إيذاناً ببدء معاركهم الانتخابية النيابية، الأول: "ما منساوم"، والآخر: "لرفع الاحتلال الإيراني"، والثالث: "لنزع السلاح غير الشرعي"، ورابعٌ وخامس وسادس ممن يعرّفون عن أنفسهم بـ"السياديين"، وكلّها شعارات تتماهى مع محاور الدول وسياسات الأقاليم، وتتماثل في المضمون "الثوري"، وتعلي سقوف "السيادة" لتناطح سحب السّماء والفضاء السياسي الأعلى الملامس للكواكب الأممية.
كلّ ذلك وسط معركة القوى المتنافسة في حلبة انتخابات لا يأمل المواطنون من نتائجها سوى إنتاج سلطة قادرة على إزاحة الكابوس المعيشي الذي أفقرهم وجعلهم متساويين مع أكثر المجتمعات بؤساً وألماً... فترانا أمام حالة منفصلة عن الواقع، في ما يشبه حال تلك المقطوعة من إحدى أغنيات فيروز من أعمال الأخوين رحباني: "طلع المنادي ينادي ما فيهاش إفادة... الرعيان بوادي والقطعان بوادي، وحاج تصرّخ يا منادي من وادي لوادي".
بالفعل، الناس في وادٍ وغالبية القوى السياسية في وادٍ آخر منفصل، ولا يخجل المسؤولون في طلب تأييد المواطنين والتصويت لهم بكثافة، فيما هم عاجزون عن تأمين وصولهم إلى مراكز الاقتراع، وتأمين الحد الأدنى لديمومتهم إلى أن يحين حلول موعد الانتخابات.
في أحدث استطلاع للرأي على مساحة كل الدوائر الانتخابية في لبنان، أجراه مركز الإحصاء والتوثيق اللبناني (شباط/فبراير 2022)، يتبيّن أن الهم الأكبر لدى الغالبية العظمى من الناس هو الهم المعيشي والاقتصادي، لا العناوين السياسية الكبرى، وهم يعبّرون عن جموحهم نحو التصويت لخيار التغيير (ليس المقصود بخيار التغيير قوى حركة احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019)، إنما التغيير والوصول إلى الشخصيات القادرة على إخراجهم من نفق المصائب الحياتية التي تواجههم.
تشير الدراسة إلى أنّ 82.5% من المستفتين عبروا عن تأثرهم السلبي بالأزمة الاقتصادية، وأن وضعهم المعيشي مأزوم جداً أو بدأ بالتأزم. هذه الإجابات جاءت متقاربة جداً لدى جميع الطوائف. الطائفة السنية 84.7%، والشيعة 82.4%، والموارنة 80%، والأرثوذكس 77.9%، والكاثوليك 84.2%، والدروز 84.7%، والأرمن 86.1%، والأقليات المسيحية 82.9%، والعلويون 83.1%.
ويقول مدير المركز كمال فغالي للميادين نت إنَّ القضايا المعيشية الاقتصادية تصدرت اهتمامات المستطلعة آراؤهم، فبرزت كأولوية ينبغي معالجتها، إذ تطرّق إليها ما نسبته 95.3%، وإن اهتمامات الناخبين أظهرت تغييراً جذرياً في التوجه، مقارنة مع كل الاستطلاعات السابقة منذ انتخابات العام 1992 حتى انتخابات العام 2018، إذ كانت القضايا السياسية هي الطاغية.
ويضيف أنَّ غالبية المستَفتين تركَّزت اهتماماتهم على الصحة، وانهيار سعر الليرة اللبنانية، والغذاء، والكهرباء، والطاقة (المحروقات)، والودائع المصرفية، والفساد... في حين تدنّت نسبة المهتمين بالقضايا السياسية مقارنة بالمهتمين بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتمحورت أجوبتهم السياسية حول سلاح حزب الله، والارتهان إلى الخارج، وقانون الانتخابات، وقوانين الأحوال الشخصية، واستقلالية القضاء... ويخلص إلى القول: "إن النتائج التي يمكن الخروج بها تتمحور حول ازدياد مؤشرات الفقر وانعكاساتها".
وبناء عليه، يمكن الاستنتاج، في حال كحال لبنان، أنَّ خوض أي استحقاق ينبغي أن يكون وفق البرامج الاقتصادية والاجتماعية، لا وفق العناوين والشعارات السياسية الكبرى الخاوية، لاستحالة قدرة حامليها على مقاربتها والتأثير في مجرياتها بأي شكل من الأشكال، ولأنها منفصلة عن الواقع المعيش وحاجة الناس.
وفي المسافة الفاصلة عن الانتخابات، تأتي موازنة العام 2022 التي أقرتها الحكومة لتضيف إلى الأعباء أعباء لا طاقة لأيِّ مواطن على تحمّلها، من دون أدنى حسّ بالمسؤولية، ليخرج بعدها رئيس الحكومة الملياردير على اللبنانيين، ويقول لهم: "علينا أن نتحمَّل بعضنا بعضاً".
بالفعل، لقد أصبحنا أمام حالة غير مسبوقة تستدعي عدم تجاهل الصحّة النفسيّة للبنانيين، وفتح الآفاق أمامهم، واتخاذ المسؤولين السياسيين الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة لبناء دولة عاملة وفاعلة، قبل دنو الساعة التي لا ينفع معها أيّ علاج.

alafdal-news
