خاص الأفضل نيوز- ريما الغضبان
مضتْ أيّامٌ قليلةٌ على حادثةٍ، مازالَ يصعبُ على العقلِ تصديقَها. فهي أشبه بفاجعةٍ ليستِ الأولى من نوعها ولن تكونَ الأخيرةَ. فاجعةٌ هزّتِ الرّأيَ العامَ العالميّ، وأوقفتنا مجددًا أمامَ خطورة حدوثها مرارًا وتكرارًا في مجتمعٍ تكونُ كلماتُه أقسى بكثيرٍ من أيِّ أذى، كلماتٌ سَلبتْ وتسلبُ الكثرين حياتَهم.
داريك أندريو، طفلٌ أنهى حياتَه بسببِ التنمرِ. داريك ابن ال ١٢ عامًا، قرّرَ إنهاءَ حياتِه بعد معاناةٍ كبيرةٍ من التّنمر. أقدمَ داريك على الانتحار الأسبوع الماضي، بعد أن تعرّضَ للضرب من قبل زملائه في الصف. حادثةُ الضربِ هذه كانتِ الأولى، ولكن معاناةُ داريك مع التنمر اللفظي كانت طويلة، ولم يعد باستطاعتِه تحمِّلها.
كانتِ الحادثةُ أشبهَ بقصصِ الأفلامِ فكيف لطفلٍ أنْ يقدمَ على الإنتحار؟ وما الذي جعلَ من كلماتٍ مسيئةٍ، تترنّمُ على مسامعِهِ يوميًا بأن تجعلَه يفكّرُ بالموت؟
هي كلماتٌ تُختصرُ تحتَ مفهومٍ واحدٍ هو "التنمر"، الذي يكون لفظيًا، جسديًا، إلكترونيًا، أو إجتماعيًا. التّنمرُ المدرسيُّ كان ولا يزالُ واحدًا من أخطرِ الأمورِ التي تهدّدٌ حياةَ الأطفالِ، بحيث أشارتِ الدراساتُ الأخيرةُ، أن التّنمر يهدّدُ حياة ١٧٪ من الأطفال.
هي ليست بظاهرة اجتماعية جديدة، ولكنّها تزايدتْ في الآونةِ الأخيرةِ، معَ ازدياد نرجسيّة البعضِ، وشُحِّ الإنسانيّةِ في قلوبهم. هذه الظاهرةُ التي أصبحت غير مقبولة، كونها تتسبّبُ بإنهاء حياة الكثرِ أو تدميرهم وهم على قيد الحياة.
هي ظاهرةُ "الإستقواء" أو "البلطجة" إذا صحَّ التعبيرُ، على من هم الحلقةِ الأضعف " الضّحية". الذين يتعرضون لأقذر أنواع الإساءةِ الجسديّةِ والمعنويةِ، بحيثُ يتّبعُ المتنمّرون سياسةَ الترهيبِ والتخويفِ مع الضحايا لإبراز قوّتهم وكأنّهم الحلقة الأقوى. ولكن، في الوقت عينه المتنمّر هو ضحية مذنبه، فسلوكه هذا هو نتيجةُ نقصٍ وضعفٍ داخليٍّ، يكونُ مسبّبه الأول الأسرة ويليها المجتمع.
يجدُ المتنمّرُ متعةً في تعذيبِ الآخرِ معنويًا أكثر من جسديًا، فهو يفرحُ لألم الآخرين، دون أن يعلمَ بأنّه يقتلهم كلّ يومٍ بكلماتِه القبيحة، التي تترك أثرًا في الصميم. فهي تتسبّبُ في تدميرِ حياة الأطفال الذين باتوا يعانون من مشاكلَ نفسيةٍ، قد تُفقدهم حياتَهم يومًا ما، كما فعلت ب " داريك" وغيره من الأطفال.
قد لا تقتصر هذه الظاهرة فقط على الطّلاب، بل قد تصل إلى حدّ المدرسين، من خلال إطلاقهم الشتائم على الطلاب، أو السّخرية من كلامهم، أو حتى ملابسهم.
بلطجةٌ، عنفٌ، استهزاءٌ، مظاهرٌ تفوح رائحتُها في مجتمعاتِنا تحت عنوان " التّنمّر" الذي باتَ واحدًا من العناوين العريضةِ التي تستحقُ العلاجَ بشكلٍ سريع. فيكون الحلُّ الأولُ من خلال التّوعية حول مخاطر هذه الظاهرة. وتفعيلِ دورِ الأسرةِ والمدرسةِ كونها تملكُ الحصّةَ الكبرى بالتأثير على سلوك الأطفال.
تعدّدَ المتنمرون والضحية واحدة، المتنمّرون الذين يكرهون أنفسَهم وغيرهم، فكلما كرهوا أنفسَهم زادَ حقدُهم على الآخرين الذين ليس لهم حولٌ ولا قوة.
تعثّرتِ الكلماتُ أمام هولِ هذه الظاهرة، أمام انعدام رحمة الكثيرين، أمام قساوة المشاهد يوميًا في كثيرٍ من البيوت التي تعاني بصمتٍ خوفًا من " القيل والقال". لنرحمَ الآخرين من شرِّ أعمالنا، ونتركَ الخلقَ للخالق، حتّى لا تتكرّر حادثة داريك مرة أخرى

alafdal-news
