على الرغم من أن غالبية الأفرقاء يتفقون على وصف الإنتخابات النيابية المقبلة بـ"المصيرية"، بعد التحولات التي كانت قد شهدتها البلاد في العامين الماضيين، إلا أن للمعركة على الساحة الدرزية طعم مختلف، نظراً إلى أنها تشمل أيضاً التداعيات التي تترتب عن قرار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الإنسحاب من المشهد، التي تؤثر في العديد من الدوائر التي يوجد فيها مقاعد نيابية درزية.
في هذا السياق، تبرز العديد من التحليلات التي تسعى إلى الحديث عن حصار يتعرض له رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" النائب السابق وليد جنبلاط، على أساس أن هناك معركة كبرى تخاض ضدّه من جانب قوى الثامن من آذار، بالرغم أن "البيك" يعتبر حليف أحد أبرز أركان هذه القوى، أي رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي كان يوصف، في السنوات الماضية، من قبل أوساط "الإشتراكي" بـ"الحليف الوحيد".
على الرغم من ذلك، قد يكون، في الدورة الحالية، على جنبلاط إدارة المعركة الإنتخابية بطريقة مختلفة، نظراً إلى أنها تحمل في طياتها العديد من التطورات المحلية والإقليمية التي لا يمكن تجاهلها، نظراً إلى أنه كان من أبرز المستفيدين من التحالفات التي كان يبرمها مع تيار "المستقبل"، خصوصاً في دوائر: الشوف عاليه، بيروت الثانية، البقاع الغربي وراشيا.
قبل الغوص في تفاصيل المعركة المنتظرة، تُصر مصادر درزية متابعة، عبر "النشرة"، على التأكيد أن ما يُحكى عن إنهيار في القاعدة الجنبلاطية غير صحيح، بل تعتبر أن الواقع الراهن يعود في الأساس إلى تراجع الدور الدرزي بشكل عام، بدليل التمثيل الذي باتت تحصر فيه الطائفة على المستوى الحكومي، وتشير إلى أن هذا الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى الإنقسامات التي شهدتها في السنوات الماضية، خصوصاً بعد العام 2005، في ظل نظام طائفي سمح بدخول الطوائف الأخرى على هذا الخط.
وتلفت هذه المصادر إلى أن هناك معادلة لا يمكن تجاوزها، تكمن بأن ضعف الأقليات يكمن بإنقسامها أو إقتتالها في اللحظات المصيرية، الأمر الذي ينطبق على الدروز في الفترة الماضية، بدليل ما حصل بعد إنتخابات 2018، سواء في الشويفات أو في قبر شمون، الأمر الذي يفترض بالقيادات المعنية، لا سيما جنبلاط ورئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" النائب طلال أرسلان، القيام بمراجعة كاملة لكل هذه المرحلة، خصوصاً بعد الذي حصل مع أبناء الطائفة في سوريا واسرائيل.
بالنسبة إلى المعركة الإنتخابية، في البرلمان اللبناني هناك 8 مقاعد درزية: 2 في الشوف، 2 في عاليه، 1 في الجنوب الثالثة، 1 في بيروت الثانية، 1 في بعبدا، 1 في البقاع الغربي وراشيا. كانت تقسم عادة على الشكل التالي: 6 مقاعد لجنبلاط، مقعد لأرسلان، مقعد لأنور الخليل الذي يمثل نقطة إلتقاء بين بري وجنبلاط.
في قراءة المصادر الدرزية المتابعة، الدروز أصحاب القرار في 4 مقاعد نيابية (دائرة الشوف-عاليه)، بينما المقاعد الأخرى تخضع لتأثير التحالفات، وتعطي مثالاً على ذلك المقعدين الدرزيين في دائرة الجنوب الثالثة (الصوت الشيعي) وفي بيروت الثانية (الصوت السني)، وتشير إلى أن الأمر نفسه ينطبق على المقعدين الآخرين في البقاع الغربي وراشيا وبعبدا، وبالتالي الإنتخابات المقبلة ستعكس الواقع السياسي الجديد بشكل أساسي لا أكثر.
بناء على ما تقدم، تشير هذه المصادر إلى أن جنبلاط يمكن أن يضمن الفوز بالمقعدين الدرزيين في الشوف، لا سيما إذا ما قرر أن يحصر معركته بهما، خصوصاً أن المرشح الكاثوليكي (النائب نعمة طعمة)، الذي كان يركز على أهمية فوزه في الدورة الماضية، ليس في وارد الترشح من جديد، بينما المقعد السني يملك القدرة على إعادة الفوز به من خلال أصوات "الإشتراكي" في إقليم الخروب، بالرغم من أن قوى الثامن من آذار ستسعى إلى أن تصب مختلف أصواتها في الشوف، لصالح رئيس حزب "التوحيد العربي" الوزير السابق وئام وهاب، الذي كان في العام 2018 قد اقترب من الحاصل.
ضمن الدائرة نفسها، من الضروري الإشارة إلى أن اللائحة التي ستضم وهاب، أي تحالف "التيار الوطني الحر" و"الحزب الديمقراطي اللبناني" و"حزب التوحيد العربي" (من المرجح أن ينضم لهم الحزب القومي)، قد لا تعمد إلى تسمية مرشح درزي ثانٍ في الشوف، خصوصاً أن جنبلاط قد لا يرشح درزي ثانٍ في عاليه، بحيث يكون هناك مقعد لمرشح "الإشتراكي" النائب أكرم شهيب، بينما يذهب الثاني إلى أرسلان.
بالإنتقال إلى الدوائر الأخرى، هناك إتجاه غير محسوم بشكل نهائي نحو ترشيح الوزير السابق مروان خير الدين عن المقعد الدرزي في الجنوب الثالثة، على أساس أنه يمثل نقطة التقاء بين بري وأرسلان وهو نجل شقيقة الخليل، بينما في بيروت الثانية يواجه "الإشتراكي" أزمة غياب اللائحة القوية التي من الممكن أن تضم مرشحه (بسبب غياب المستقبل عن المشهد)، الأمر الذي يفتح الباب أمام اللوائح الأخرى، لا سيما لائحة قوى الثامن من آذار من أجل التركيز عليه.
أما بالنسبة إلى المقعدين الدرزيين في بعبدا والبقاع الغربي-راشيا، ترى المصادر نفسها أن ليس هناك من خطر كبير عليهما، حيث من المرجّح أن يعودا إلى مرشحي "الإشتراكي"، أي النائبين هادي أبو الحسن ووائل أبو فاعور، بالرغم من أن قوى الثامن من آذار ستركز في الثانية على دعم طارق الداوود، وبالتالي قد يكون هناك إمكانية للخرق في هذه الدائرة أيضاً.

alafdal-news
