عبدااله بن عامر- الميادين.نت
لقد ظلَّت أوكرانيا طوال السنوات الماضية محل اهتمام النخبة السياسية والإعلامية في روسيا، فهي ميدان الصراع مع الغرب. ومن خلالها، قد تتلاشى طموحات بوتين في استعادة الدور العالمي لروسيا.
لقد ظلَّت أوكرانيا طوال السنوات الماضية محل اهتمام النخبة السياسية والإعلامية في روسيا
في آب/أغسطس 2021، كتب أندريه ساموخين (الكاتب الروسي المعروف) عن تقسيم أوكرانيا، وذلك بالتزامن مع مرور 30 عاماً على استقلالها. اللافت أنَّ هذا الكاتب وغيره من السياسيين الروس كانوا يقولون أن لا مفر من انهيار الدولة الأوكرانية بشكلها الحالي المعادي للروس، فأوكرانيا بصيغتها الحالية تشكل تهديداً حقيقياً لروسيا، ويجب التحرك قبل فوات الأوان.
قبل عدة أشهر، تحدث الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين عن ضرورة تقسيم أوكرانيا إلى شرقية وغربية، وأكّد ضرورة أن تكون خالية من النفوذ الغربي.
لقد ظلَّت أوكرانيا طوال السنوات الماضية محل اهتمام النخبة السياسية والإعلامية في روسيا، فهي ميدان الصراع مع الغرب. ومن خلالها، قد تتلاشى طموحات بوتين في استعادة الدور العالمي لروسيا بصيغتها الجديدة. ومن خلالها أيضاً، قد تتمكن واشنطن من تسديد أقسى ضربة لموسكو، من خلال دعم سلطة كييف المناوئة للروس، والتي سوف تصبح رأس حربة في معركة الناتو ضد روسيا.
علينا ألا ننسى أنَّ الرئيس الأميركي الحالي زار كييف أكثر من 12 مرة، كدليل على اهتمام الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولا سيما الديمقراطية، بأوكرانيا. وخلال التحركات الأميركية في كييف، لم تتوقف الأصوات المحذرة في موسكو من تبعات نجاح واشنطن في مخطّطها، لتبدأ العقلية الروسية بطرح عدة خيارات يبدو أن الكرملين أخضعها للنقاش طويلاً قبل أن يتخذ بوتين قراره باستخدام القوة، فالقضية الأوكرانية ظلَّت حاضرة في الذهنية الروسية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، فها هو السياسي الروسي ديميتري كوليكوف ينصح القيادة الروسية في العام 1999م بأن تضع صيغة محددة للدولة الأوكرانية تستجيب لعدة شروط، من ضمنها أن تكون أوكرانيا فيدرالية ومحايدة ومنزوعة السلاح مع حفظ حقوق الأقاليم.
يبدو أنَّ كوليكوف كان يدرك تبعات التحرك الغربي ضمن المجال الحيوي لروسيا ونتائجه، والذي يهدف إلى جر كييف إلى التبعية لواشنطن، التي اعتقدت أنَّ سنوات من حكم الموالين لها كفيلة بتغيير معادلات الصراع مع روسيا، من دون أن تدرك أن محاولات فصل أوكرانيا عن هُويتها وتاريخها وثقافتها لن يُكتب لها النجاح، رغم ما حققته خلال السنوات الماضية، إلى درجة أنَّ المخابرات الروسية لم تتمكَّن بعد أحداث العام 2014 من تغيير السلطة، وكان ذلك الخيار هو الأنسب بالنسبة إلى موسكو من أجل إفشال المخطط الغربي وضمان بقاء كييف ضمن النفوذ الروسي.
لقد أصبحت أوكرانيا منذ العام 1991 هدفاً للمخابرات الأميركية، ومعها الألمانية والبريطانية وغيرهما. تلك الدول سخَّرت إمكانياتها من أجل تحويل أوكرانيا إلى دولة معادية لروسيا، تحقيقاً لنظريات جيوبوليتيكية تهدف إلى ضرب الأخيرة وإضعافها، ولكن ذلك لم يغب عن موسكو التي بدأ النقاش فيها، وبشكل علني، حول أوكرانيا، التي يتوجب عليها إفشال المخطط الغربي.
هنا، كانت موسكو أمام عدة خيارات، من ضمنها تقسيم أوكرانيا. وجرى الحديث كذلك عن صيغة التقسيم: هل تنقسم إلى دولة موالية للروس في الجزء الشرقي من أوكرانيا، ودولة موالية للغرب في الجزء الغربي من أوكرانيا، مع وضع منطقة عازلة، أو ستتخذ خطوات تدريجية، تبدأ بضم إقليم دونباس، ثم فرض الحياد على دولة أوكرانيا وضمان عدم انضمامها إلى حلف الناتو؟
عندما يناقش الكاتب أندريه ساموخين مثل هذه الخيارات، نجد أنه لا يقبل بوجود دولة أوكرانية موالية للغرب، ولو كان ذلك في الجزء الغربي من أوكرانيا، فهذه الدولة ستصبح تحت حماية الناتو. وهنا يظل التهديد الأمني ما لم تتمكَّن موسكو من فرض وجود أوكرانيا محايدة ومنزوعة السلاح.
ينقل الكاتب نفسه رأياً آخر لإيجور خولموغوروف يقوم على ضرورة تنظيم استفتاءات في الأقاليم حول إعادة التوحد مع روسيا. وهنا، سوف تختار بعض الأقاليم خيار الانضمام إلى روسيا. وبالنسبة إلى المناطق التي سترفض أن تصبح جزءاً من روسيا، فسيجري تشكيل دولة اتحادية عازلة، أي أنها لن تكون ضمن حلف الناتو، بل ستكون أقرب إلى موسكو، من خلال اتفاقية تجمعها بالاتحاد الروسي وبيلاروسيا.
اللافت بعد نقاش مثل هذه الأطروحات قبل العملية العسكرية الأخيرة، أنَّ ساموخين يعود إلى الكتابة عن القضية نفسها بعد تحرك القوات الروسية ودخولها إلى أوكرانيا، ليؤكد أنَّ هناك خيارين بالنسبة إلى مستقبل أوكرانيا؛ الأوَّل يقوم على دولة موحّدة ونظام اتحادي يضمن حكماً ذاتياً للجمهوريات المستقلة، والآخر يقوم على تقسيم أوكرانيا إلى قسمين مع منطقة عازلة ومشتركة في كييف.
ملخّص ما تطرّقنا إليه يؤكّد مستوى حضور فكرة التقسيم، ليس لدى الروس فحسب، بل لدى الأوكرانيين أنفسهم أيضاً، فالسكّان يتوزعون على شرق أوكرانيا وغربها، إذ إنّ سكان الجزء الشرقي أقرب إلى روسيا، فيما السكّان في الغرب أصبحوا أكثر انجذاباً إلى النموذج الغربي بفعل سياسات الحكومة الموالية للغرب في كييف، التي اهتمت كثيراً بالمناطق الغربية، وأهملت الشرقية.
رغم كلّ ذلك، نجد أنَّ روسيا قد لا تلجأ إلى خيار التقسيم إلا عندما تعجز عن فرض شروطها في أن تكون أوكرانيا محايدة ومنزوعة السلاح بشكل كامل، وذلك في اعتقادنا خلاصة النقاشات المفتوحة التي دارت في موسكو طوال العقدين الماضيين بشأن أوكرانيا، رغم أنَّ الخيار الأفضل لبوتين هو أوكرانيا شرقية موالية للروس، وغربية محايدة، لكن هل سيقبل الغرب بذلك؟
في النهاية، وبغضِّ النظر عن التصورات المطروحة بشأن مستقبل أوكرانيا، فإنَّ ما يجمع عليه الكثير من الباحثين الروس هو أنَّ أوكرانيا الحالية المعادية للروس لن تكون موجودة بعد الآن.

alafdal-news
