محمد جرادات - الميادين.نت
يتعمد الإعلام الغربي، بكفاءة عالية، قَلْبَ الحقائق في أوكرانيا عبر التركيز على حدث وطمس آخر.
البروباغندا الغربية تحاصر أوكرانيا.. ضحايا لا تنزف
الهروب من تاركوف، خبر يلخّص قصة الإعلام الغربي ومستوى احترافه المهنيّ، في بثه المفتوح ضدّ روسيا في عمليتها العسكرية، الهادفة إلى احتواء النفوذ الغربي في أوكرانيا.
هذا الهروب في لعبة الفيديو للتصويب، أصبح، بقدرة قادر، صموداً أسطوريّاً لمدينة تاركوف الأوكرانية في وجه "الغزو الروسي"! وهكذا، استيقظت أوكرانيا في حمأة الحرب فجأة، وتهاوي مدنها تحت قبضة الروس تباعاً، لتكتشف أن ثمة مدينة خرجت من وحي الخيال الأسطوري، لكنها تقاتل ببسالة، أو هكذا انحدر الإعلام الغربي، بلسان أعرق مؤسساته؛ "البي بي سي"، ليقع في سقطة منهجية، عكست كامل منظومة البروباغندا الغربية في تعاطيها الإعلامي، واخترع مدينة أوكرانية من وحي لعبة فيديو ليُداعب بها مخيلة خليط من المتابعين، على امتداد المعمورة.
انقضى أقلُّ من عقدين من الزمن، على الاحتلال الأميركي للعراق، وما زال الإعلام الغربي على طبيعته في توجيه الأخبار والمشاركة في صناعة الأحداث، ربما مع فوارق طفيفة. فما زالت القنوات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية والغربية، وتوابعها في العالم، تمارس المنهجية الميكافيللية ذاتها، في تناولها التطورات السياسية والعسكرية، وحتى الاقتصادية والاجتماعية، على نحو يساهم في تشكيل نفسية شعبية مجتمعية تفرح أو تحزن، تتعاطف أو تغضب، وفق الإيقاع الغربي، ومصالحه الرأسمالية، وفق العقل المادي الغربي المتوحش.
قطع الجيش الأميركي مسافة تصل إلى عشرة آلاف كيلومتر، لينقل جيوش حربه، في تعداد يصل إلى مئة وخمسين ألف عسكري، عبر المحيطات والبحار، من أجل احتلال العراق، بدعوى امتلاكه أسلحةَ الدمار الشامل، وكذا فعلت بريطانيا عبر نقل نحو خمسين ألفاً من عسكريّيها. ودول غربية أخرى متعدّدة وبعيدة، فعلت ذلك، وبالصدفة كان بينها أوكرانيا، التي نقلت أكثر من ألف وخمسمئة من عسكريّيها، عبر مسافة تمتدّ ثلاثة آلاف كيلومتر، ليتم احتلال بغداد، خلال أقل من ثلاثة أسابيع.
كيف تعامل الإعلام الغربي مع احتلال كهذا، سواء في وقته، أو عبر تردُّدات الزمن؟ وكيف يتعاطى هذا الإعلام، اليوم، والعالم يرى كيف يقوم الجيش الأميركي بنقل المئات من جنوده وقواته الخاصة، وتقديمه مساعدات تكنولوجية وتسليحية نوعية، عبر مسافة تمتد ما يزيد على تسعة آلاف كم نحو أوروبا الشرقية، رداً على العملية العسكرية الروسية الراهنة في أوكرانيا، في ظل حملة إعلامية واسعة، وعقوبات اقتصادية متصاعدة؟
في الوقت ذاته، أطلق هذا الإعلام هزيع فضائه المجنون تجاه روسيا، وقد بدأت ما اعتبرته "عملية عسكرية خاصة" في أوكرانيا المجاورة، عبر الحدود المباشرة القريبة نسبياً لعاصمتها؛ موسكو، بهدف احتواء النفوذ الأميركي المتصاعد فيها، وخصوصاً محاولة ضمها إلى قوات الناتو، الأمر الذي يجعل روسيا في خطر محدق مباشر من ترسانة الصواريخ الأميركية، في كل صنوفها. واستجلبت، في هذه العملية الواسعة النطاق، قواتها الخاصة وجنودها النظاميين، من دون حاجة إلى استدعاء الاحتياط حتى الآن، في ظل تأكيد حاسم من الرئيس الروسي بوتين، مفاده أن هذه العملية ليست حرباً شاملة ليشارك فيها الجيش الروسي، في كامل ألويته، لكنها الضرورة ليأخذ شعبا دونيتسك ولوغانسك، شرقي أوكرانيا، استقلاليهما، بعد ثمانية أعوام من القمع الأوكراني، وخسارة أربعة عشر ألف قتيل.
إن نظرة فاحصة إلى الإعلام الغربي؛ أميركيّاً كان أو أوروبيّاً، تجده فعلاً إعلاماً يتطوّر تباعاً، لكنّ تطوره هذا ظل طوال الوقت مرتبطاً بالتقنية حصراً، والقدرة على تحوير الأحداث، من دون الارتقاء المهني إلى حقائق الأحداث. فهو يحظى بنجاعة فريدة في قلب كل تطور على نحو يخدم الاستراتيجية الأميركية، التي اخترعت ماكينتها الإعلامية، على سبيل المثال، مجازر بالسلاح الكيميائي في سوريا، ثبت بطلانها بالقطع، وما زالت تكررها منذ أعوام خلت.
نعم، كل حرب تُوْقِع خسائر بشرية بالمدنيين، وإن كان يصعب تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك، في ظل تهرب أطراف الحرب من قول الحقيقة، لكنّ قدرة الإعلام الغربي على فبركة الأحداث، تعطيه صدارة توجيه الرأي العام العالمي في هذا الخصوص، على الرغم من تبيُّن بعض جوانب الحقيقة نتيجة ثُغَر ميدانية يقع فيها هذا الإعلام أحياناً، وهو ما رأيناه في الحرب على العراق، أمام هول الضحايا من المدنيين، طوال فصول تلك الحرب، وخصوصاً في الأسابيع الثلاثة الأولى لهذه الحرب، حتى لحظة سقوط بغداد.
عند المقارنة بين العراق وأوكرانيا، نجد أن مفارقة النسبة السكانية بينهما تميل لمصلحة أوكرانيا، إذ لم يتجاوز عدد سكان العراق، وقت الاحتلال الأميركي، أربعة وعشرين مليون نسمة، وهو يقارب نصف عدد سكان أوكرانيا في أتون الصراع الراهن، وهي التي تجاوز عدد سكانها أربعة وأربعين مليون نسمة. وإن كانت الكثافة السكانية أعلى في العراق، إلاّ أن نسبة الضحايا المدنيين الأوكران لم تتجاوز خمسمئة قتيل، إلاّ قليلاً، بعد أسبوعَيِ الذروة في القتال، بحسب مصادر غربية وأممية، وهو رقم يشمل المدنيين من منطقتي دونيتسك ولوغانسك، اللتين تتعرّضان لقصف أوكراني طوال الوقت، في حين أن المصادر ذاتها سبق أن تحدثت عما يتجاوز ثلاثة آلاف قتيل، في فترة أول أسبوعين، من الاحتلال الأميركي للعراق.
على الرغم من الخسارة العظيمة لكل نَفْس بشرية، وخصوصاً وسط المدنيين العزّل، مهما تكن خلفيتهم العرقية أو الدينية أو القومية، فإننا نجد أن هذه الحرب هي الأقل تكلفة، في هذا الصعيد، حتى الآن، مقارنة بكل الحروب السابقة، حتى تلك التي خاضها الاتحاد السوفياتي أو روسيا، في أفغانستان أو الشيشان، وخلّفت فظائع يصعب حصرها، ناهيك بالحروب الغربية الوحشية في كل بلد داست جيوشُها ترابه، وهو ما يفسر حرص روسيا على فرض وقف إطلاق نار في أوقات ثابتة، طوال أيام الأسبوع الثاني وبداية الثالث، من أجل ضمان خروج آمن للمدنيين عبر خطّ تم الاتفاق عليه، وهو يمتد عبر ممر سومي - بولتافا، وشمل خط الممرات الإنسانية تشيرنيهيف وخاركوف وماريوبول وكييف، على الرغم من محاولة كتيبة آزوف المتطرفة في الجيش الأوكراني إعاقة عمل هذه الممرات مراراً، من أجل تسعير البروباغندا الدعائية، على نحو يجيّش الرأي العام الغربي نحو الاستجابة لمطالب زيلينسكي بفرض حظر جوي غربي في سماء أوكرانيا.
إن سعي روسيا لتجنب الوقوع في الفخ الغربي القاضي بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، نابع من عوامل واقعية متعددة، أهمها إدراك روسيا خصوصية هذه المعركة التي تجري في الفناء الروسي، فهي جرح في الكف الروسي، في النهاية، سواء نظرنا إلى القضية في سياق الاعتبار الجغرافي، أو التاريخي، أو القومي، أو السياسي، أو الدعائي.
جغرافياً، المعركة في أوكرانيا تدور رحاها في الامتداد الروسي المباشر، وإن كان خارج الحدود الروسية الرسمية. فأوكرانيا، في كل المعاني الجيواستراتيجية، تمثّل جوهر الحماية الأمامية في مواجهة الاندفاع الغربي، كما أن هناك مدناً روسية يطالها القصف الأوكراني ويُلحق بها الضرر. وتاريخياً، لا تخرج أوكرانيا من النسيج الروسي المتداخل. وقومياً، هناك نسبة كبيرة من الروس في أوكرانيا، بالإضافة إلى الخلفية العرقية السلافية التي تجمع الروس والأوكرانيّين. فالشعب الأوكراني، في الحقيقة، متمازج مع الروسي في جوانب جوهرية، تجعل كل خسارة تلحق به تطال روسيا.
وتدرك روسيا حجم الآلة الإعلامية الغربية الدعائية، ورآها الجميع، وهي تحوّل المسعى الروسي الميداني لتحييد المحطات النووية، وخصوصاً محطة زابوريجيا، من تحييد ناجح منضبط، إلى اعتباره خطراً يهدد أوروبا برمتها. وتناقل هذا الإعلام تصريحات زيلينسكي عن الرعب النووي، على نطاق واسع، والتي زعم فيها أن روسيا تعمَّدت قصف هذه المحطة، و"أنها المرة الأولى في تاريخنا، وفي تاريخ البشرية، التي تلجأ فيها هذه الدولة الى الرعب النووي. أوكرانيا لديها 15 مفاعلاً نووياً، واذا حدث انفجار فستكون نهاية كل شيء، وستكون نهاية أوروبا، وسيتم إخلاء أوروبا. الدبابات الروسية تقصفها وهي تتمتع بمناظير حرارية. وبالتالي فإنهم يعرفون ما يفعلونه، وكانوا مستعدّين له".
إنها "ليلة الرعب النووي" التي حبس فيها العالم أنفاسه! هكذا أرّخت "البي بي سي" وكل القنوات الغربية والأميركية، التحييدَ الروسي الناجح للمحطات النووية. وتناقلت، جميعها، تصريحات زيلينسكي الساذجة، وتعاطى معها بايدن عبر مبادرته إلى اتصال عاجل به. لذا، فإن روسيا تجد نفسها مضطرة إلى إخضاع عمليتها العسكرية الخاصة لأولوية تحييد المدنيين، وهو ما عدّه الإعلام الغربي وأدواته في محيطنا العربي، تراجعاً في زخم التقدم الروسي الميداني، وتطوراً في المقاومة الأوكرانية.
يتعمد الإعلام الغربي، بكفاءة عالية، قَلْبَ الحقائق عبر رفع وتيرة التركيز على حدث ما وطمس آخر. فهو، في الوقت الذي يركّز على مستوى تطور قدرات الجيش الأوكراني، وامتصاصه صدمة الغزو الروسي، وربط ذلك بالدعم الغربي العسكري، نجد هذا الإعلام، وإن تناول الدور الروسي في فتح الممرات الإنسانية للمدنيين، إلاّ أنه ينشر أخباراً متواترة عن "إعاقة" القوات الروسية لخروج المدنيين، ويبالغ هذا الإعلام في نشر تصريحات زيلينسكي، وخصوصاً عبر قناة "الحرة" الأميركية بقوله "كان هناك اتفاق بشأن الممرات الإنسانية، هل يطبَّق ذلك؟ ما يطبَّق هو الدبابات والغراد والألغام الروسية"، في تجاهل شبه تام لحقيقة، مفادها أن روسيا هي من فتح هذه الممرات، ولأوقات زمنية طويلة، تُعِيق تقدم القوات الروسية، وأنها تمكنت فعلاً من إجلاء مئات الآلاف من المدنيين من المناطق الخطرة بسبب احتدام القتال.
وكما وقع الإعلام الغربي في اختراع تاركوف الأوكرانية من الخيال الأسطوري، وافتُضح في ذلك، نجده انحدر فيما هو أخطر، وبصورة منهجية استحال حصرها، عندما "احترق" خطاب كثير من مراسليه، عبر الهواء مباشرة، في التعبير عن فظاعة الحقد العنصري، الذي يكوّن النفسية الغربية، وتَكَشَّف في أتون هذه الحرب على نحو لم يسبق له مثيل، وخصوصاً في التباكي على المدنيين، وذلك على لسان مراسل "السي بي أس نيوز"، الذي جهر بالقول إن أوكرانيا "ليست العراق ولا سوريا أو أفغانستان، هذا بلد متحضر". وهو ما تلفظ به أيضاً مراسل "البي بي سي"، وهو يعبّر عن مشاعره وهو "يشاهد أطفالاً أوروبيين، عيونهم زرقاء وشعرهم أشقر، يُقتَلون بصواريخ بوتين ومروحياته كل يوم"، فيرد عليه مذيع "البي بي سي" "أتفهّم مشاعرك، وبالطبع أحترمها". وهو ما تماهى معه مذيع قناة عربية ناطقة بالإنكليزية في قوله "نعم، هؤلاء مواطنون من الطبقة المتوسطة لا يشبهون اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا". وكذلك، عندما حاولت مراسلة "أن بي سي" الأميركية الإخبارية أن تعبّر في قولها "هؤلاء ليسوا لاجئين من سوريا، إنهم مسيحيون، إنهم بيض"!.
واستهلّ مراسل "الحرّة" الأميركية حديثه، في معرض وصفه مأساةَ اللجوء الأوكراني، قائلاً "إنه أعظم لجوء في تاريخ البشرية"، بعد أن بالغ في عدد اللاجئين الأوكرانيين، فجعلهم أربعة ملايين. لا شكّ في أن كل لجوء لأيّ إنسان هو مأساة. لكن، ماذا عن خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، طال عليهم أمد اللجوء منذ سبعين عاماً؟! ولم يكلّف الإعلام الأميركي نفسه مجرّد الإشارة إليهم في معرض نشر بياناته عن اللجوء في العالم، وهو ما فعلته قناة "أم أس أن بي سي" الأميركية، عندما نشرت، قبل أسبوع، خريطة للجوء في العالم، فاعترفت بنحو ثلاثة ملايين أفغاني، وأكثر من مليون مينماري، وقرابة سبعة ملايين سوري، ونحو ستة ملايين فنزويلي، وأكثر من مليونَي سوداني جنوبي، وأكثر من مليون أوكراني، وتجاهلت اللاجئين الفلسطينيين بصورة مطلقة، على نحو يعكس خريطة موجَّهة مفتعَلة، بالغت في عدد السوريين والفنزويليين، وأهملت الفلسطينيين، الأمر الذي يؤكد طبيعة الإعلام الغربي ومدى خضوعه للسياسة الأميركية.
لم يكن العالم في حاجة إلى هذا التصدع العالمي الراهن، ليكتشف حقيقة البروباغندا الغربية في خدمة المشروع الغربي الاستعماري، عبر أدواته وأغراضه المستحدثة. ففي كل حدث أو تطور أو صراع، يظهر فصل جديد من فصول الزيف الغربي، وخصوصاً عندما يتصل الأمر بالكيان العبري ومصالحه، إلاّ أن فصل أوكرانيا حمل جملة من الفصول المستجدة بشأن إماطة اللثام عن ماهية تعاطي الإعلام الغربي مع مأساة المدنيين، عبر الاستثمار الرخيص، ومن خلال حقد عنصري بغيض، أظهرا مدى الكِبَر والاستكبار في النظرة إلى البشر، بالنظر إلى لونهم أو عرقهم أو دينهم.

alafdal-news
