يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
بعد الإجرام الصهيوني المتمادي على أهلنا في غزة وارتقاء أكثر من ثلاثين ألف شهيد وإصابة أو إعاقة ما يقارب سبعين ألف إنسان معظمهم من النساء والشيوخ والأطفال، وبعد الحصار والتجويع وحملة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة الصمود والكرامة، والمدعومة من إدارة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص ودول الغرب الاستعماري بشكل عام، يطرح السؤال نفسَه : إلى متى يستمر هذا الصمت الشعبي العربي والتخاذل العربي؟ وهل الشعبُ العربي بصمته وتخاذله عن نصرة غزة هو شريك بالعدوان حقاً وصدقاً؟
وعندما نتحدث عن الصمت والتخاذل هذه المرة لا نقصد ابداً الحديث عن المستوى الرسمي، فقد اعتدنا هذا الأمر منذ سنوات طويلة ، وإنما نستهجن صمتَ الشعب العربي بكل فئاته وشرائحه، ونستغرب غياب الدور الفاعل للعلماء والمثقفين والأحزاب والجماهير، ويغدو هذا الغياب مريباً إذا ما قورن بحركة الجماهير في عواصم العالم انطلاقاً من المشاعر الإنسانية البحتة، ولأن ما يحدث في فلسطين يشكلُ إهانةً صارخةً للإنسانية بوصفها إنسانية وبعيداً عن القيم الحضارية والديمقراطية التي يتشدق بها الغرب وهو أبعد من يكون عنها، وهنا يرتسم في المخيلة سؤال آخر، هل نحن العرب من الناس وتختلج في صدورنا مشاعر إنسانية كغيرنا من شعوب الأرض، أم كان أمثال نتنياهو وغالانت و"حكماء بني صهيون قبلهم" على حق حين وصفونا بالحيوانات؟ وهل صدقنا ذلك واقتنعنا به وصرنا ننتظر كالخراف ذبح أبناء جلدتنا وفصيلتنا في كل إقليم عربي دون أن يكون لنا ردة فعل ترتقي إلى مستوى الحدث انطلاقاً من المشاعر الإنسانية على الأقل، وليس من الواجب القومي أو الديني؟
فمن الواجب القومي العربي أن نغضبَ أكثر من شعوب الأرض كلها لما يصيب أهلنا في فلسطين من قتل وتدمير وحصار وتجويع وتهجير، لأن من عادات العرب وأعرافهم وتقاليدهم مساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف، ونصرة المستجير، وقد كان ذلك معروفاِ حتى في الجاهلية، وأهل غزة من العرب وليسوا من الفرس أو الروم، والقضية الفلسطينية هي قضية عربية بالدرجة الأولى قبلَ أن تكونَ قضيةً دينيةً أو إنسانية، والصراع مع الاحتلال الصهيوني كنا نسميه " الصراع العربي الإسرائيلي" إذا كنتم تذكرون، وقد كذب كل من قال بأن الفلسطينيين بعضهم أو جلّهم يرتمون اليوم في أحضان هذه الدولة أو تلك ويخدمون مصالحها و مشاريعها، بل إنهم أصحاب حق وأهل قضية ومن يقف معهم ويساندهم هو بمثابة الأخ و الصديق والحليف في مواجهة الاحتلال والظلم والعدوان الذي يشكل خطراً على المنطقة بأسرها، وهذه الدولة أو تلك التي تدعم بالمال والسلاح والموقف السياسي هي من تقف معنا في قضيتنا المحقّة ونحتاج إلى دعمها وليس العكس، ولا سيما في ظل غياب الأمة كلها عن قضية الأمة المركزية.
إن العدو الصهيوني وبعد الذي اقترفه من مجازر وحشية وجرائم موصوفة منذ عام ١٩٤٨، يثبت كل يوم ويذكّر الناسين بأنه خطر داهم على شعوب المنطقة بأسرها وليس على دول الجوار فحسب، ولا يمكن العيش قربه أو التعايش معه، وانطلاقاً من غريزة حب البقاء الحيوانية لا بد من مواجهته ومقاومته بشتى الوسائل والطرق، وبالتالي فلا بد من غضب عربي، ولا بد من صرخة مدوّية في شوارع كل عاصمة عربيةولا بد من ردة فعل تشبه على الأقل تلك الدعوات التي شهدناها في أيام ما يسمى ظلماً وبهتاناً بالربيع العربي، " كجمعة الغضب" ويوم النصرة " ويوم النفير والجهاد" وما إلى ذلك من مسميات أدت إلى تدمير بعض الدول العربية خدمةً للمشاريع الأجنبية.
ومن الواجب الديني أن ننصرَ أهلنا في غزة انطلاقاً من آيات القرآن الكريم ومن الأحاديث النبوية الشريفة ومن سِيَر الصحابة الكرام، ويا أيها المسلمون يقول النبيُّ العربيُّ صلى الله عليه وسلَّم : " من بات ليلتَه لا يعنيه أمر المسلمين فليس منهم"، ويقول أيضاً : " المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ومن الغريب حقاً أن يتراجع الخطاب الديني عن ذكر الجهاد والذي هو "باب من أبواب الجنة، فتحه اللّه لخاصة أوليائه، و هو لباس التقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل، و شمله البلاء... "، كما قال الإمام علي كرّم الله وجهه.
وفي الختام، لا بد من صرخة غضب ووقفة عز، وموقف مشرّف في الساحات والميادين و في كل عاصمة ومدينة وقرية عربية ، ننسجم فيها مع أنفسنا وقناعاتنا وتعاليم ديننا ومشاعرنا الإنسانية، ونتخلص فيها من عقدة الخوف والتردد والشعور بالعبودية أو البهائمية، وننظر بعدها إلى أنفسنا نظرة احترام وتقدير... ولن نندَم والله إذا قمنا بدورنا هذا وكنا في نظر أولادنا وأحفادنا أحراراً و محترمين.

alafdal-news
