عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
يستمر الموفدون الدوليون إلى لبنان في إجراء ما يشبه "الرياضة الذهنية"، على مستوى السعي إلى إعادة ترتيب الوضع على الحدود اللبنانية مع شمال فلسطين المحتلة، متنقلين بين معادلات الضرب والقسمة والجمع والطرح، تبعا لما تقتضيه مصلحة الكيان الإسرائيلي بالدرجة الأولى، باعتبار أن القاسم المشترك بين زوار بيروت الدوليين هو حماية أمن الكيان.
وبناءً على هذه القاعدة، فإن الموفدين يذهبون ويجيئون، حاملين الأفكار والأوراق ولكن من دون أن يكون هذا الحراك الدبلوماسي قادرًا على تحقيق أي نتيجة، حتى بات الزوار الأجانب المولجين بهذا الملف مجرد سائحين في الوقت الضائع.
ولعل أكثر المتحمسين في هذه المرحلة هم الفرنسيون الذين كانوا قد عرضوا على المسؤولين اللبنانيين ورقة أولى لم تصمد بعدما تبين أنها منحازة بالكامل إلى تل أبيب، فطرحوا ورقة ثانية بعد إخضاعها إلى "جراحة تجميلية."
ومن الواضح أن باريس التي أرادت أن تكون اللاعب الأساسي في الاستحقاق الرئاسي، تحاول أيضا تثبيت دور لها في ملف الصراع بين حزب الله والعدو الإسرائيلي، مفترضة أن خيوط التواصل التي تربطها بالحزب تسمح لها بهامش تحرك أوسع من ذاك الذي يملكه الاميركي.
وبهذا المعنى، فإن الدبلوماسية الناشطة للفرنسيين على خط بيروت - تل أبيب لا تنفصل في جانب منها عن التنافس مع الولايات المتحدة على الدور والنفوذ في لبنان والإقليم.
وقد سبق للسفير الفرنسي لدى بيروت أن انتقد بصراحة أمام بعض زواره السياسة الأميركية حيال لبنان، معتبرا أنها لا تراعي متطلباته كما يجب، خلافًا لحال فرنسا التي تربطها علاقات تاريخية ووجدانية معه، وفق السفير، علمًا أن النسخة الأولى من المقترح الفرنسي لمعالجة الوضع الحدودي لم تكن مشجعة ولم تعكس الحرص على مصالح البلد.
وبمعزل عن حسابات باريس، المضمر منها أو المعلن، هناك من يعتبر أن واشنطن وحدها تملك القدرة على التأثير والإنجاز في مسألة استعادة الهدوء بين لبنان والكيان، لأنها الوحيدة التي تستطيع أن تضغط على تل أبيب، وبالتالي يبدو وكأن الاميركيين تركوا للفرنسيين أن "يتسلوا" في مرحلة اللاقرار، في انتظار أن يحين أوان التسوية وعندها يستعيدون المبادرة.
والأرجح أن واشنطن سلّمت بحقيقة أن لا إمكانية للتهدئة جنوبًا قبل وقف إطلاق النار في غزة، بينما تظن باريس أن بالإمكان التعويل على احتمال أن يؤدي الضغط الدبلوماسي المرفق بالتهويل الإسرائيلي، إلى الفصل بين المسارين.
ولئن كان المسؤولون اللبنانيون يناقشون من موقعهم الرسمي بنود الورقة المعدلة، إلا أن حزب الله لا يزال حاسما في رفضه حرق المراحل والخوض في أي تفاهم على ترتيبات حدودية جديدة قبل وقف العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، وإن يكن قد أبلغ إلى بري ملاحظاته المبدئية على الورقة لاستكمال عناصر الموقف اللبناني منها، من دون أن يعني ذلك حصول أي تعديل في الثابتة الاستراتيجية التي لن يتخلى عنها مهما اشتدت الضغوط عليه، وهي أن لا إجراءات جديدة في الجنوب مهما كانت طبيعتها، قبل انتهاء الحرب على غزة، متمسكا بقاعدة الربط بين جبهتي غزة ولبنان، سلمًا وحربًا، كواحدة من أوراق القوة في المواجهة والمفاوضات.
من هنا، يعتبر الحزب أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة المستمرة، مع الإشارة إلى أن هناك أمرًا واحدًا يبدو محسومًا بالنسبة إليه وغير قابل للتفاوض، سواء خلال الحرب أو بعدها، وهو أن لا انسحاب لقوات الرضوان من الحافة الأمامية نحو شمالي الليطاني، لأن ما لم يحصل عليه العدو بالقوة لن يأخذه بالسياسة.

alafdal-news



