طوني خوري- النشرة
على غرار "لعبة الكراسي والموسيقى" التي يدور فيها الأشخاص ليجلسوا على كرسي بعد توقف الموسيقى، دخلت رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء (عبر رئيس الحكومة المكلف)، المداورة في الشكوى من انتقاص الصلاحيّات. وبينما كانت رئاسة الحكومة غالباً ما تصرخ مطالبة بعدم المسّ بصلاحياتها أو السيطرة عليها من قبل رئاسة الجمهوريّة، وخصوصاً في مسألة تشكيل الحكومة، انتقل الدور بالأمس إلى رئاسة الجمهوريّة لتصرخ وتنادي بحفظ حقوقها. لا شكّ أنّ ما قام به رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، لجهة تسليم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد ساعات قليلة على انتهاء الاستشارات النيابية غير الملزمة في مجلس النواب، دليل واضح على أنه لم يستمزج رأي عون بالموضوع، وأنه لا يرغب بذلك. ومقارنة بما حصل حين تم تكليفه المرّة الأولى، بدا وكأنّ ميقاتي اختار أن يكون شخصيّة أخرى، غير تلك التي كانت أكدت أن زياراته إلى قصر بعبدا ستتوالى ليل نهار ويومياً إذا اقتضى الأمر، حتى تشكيل الحكومة، نظراً إلى ضرورة هذا الموضوع ورأفة بالناس. وحتى حين شهدت هذه الزيارات توتراً في الأجواء، أبقى ميقاتي نوافذه الحواريّة مفتوحة، إلى أن أفضت الأمور إلى التوافق على تشكيلة حكومية أبصرت النور.
زوار ميقاتي يتحدثون عن أنه استند إلى صعوبة ما عانى منه في التكليف الأول، لتسريع عمليّة تقديم التشكيلة الحكومية، وشددوا على أن الأبواب مفتوحة لبحث أي اسم أو وزارة، إنما ضمن المحافظة على صلاحيات رئيس الحكومة المكلف، ونقلوا اتّهامه أشخاصاً معيّنين بتسريب التشكيلة الحكوميّة إلى الإعلام بهدف حرقها، معتبرين أنّ الهدف من ذلك هو إغلاق الأبواب أمام المساعي الهادفة إلى التشكيل، ومؤكدين سعي ميقاتي إلى تسريع الخطوات من أجل أن تبصر الحكومة الجديدة النور، وهذا هو الهدف من تعديل بعض الأسماء بدلاً من نسف الحكومة والمجيء بأخرى جديدة كلياً.
في المقابل، ينقل زوار بعبدا عن عون حرصه على الإسراع في تشكيل الحكومة اليوم قبل الغد، وإلى أنه يسعى من خلال هذه الحكومة الجديدة لايصال مواضيع كثيرة إلى خواتيمها وفي مقدمها التحقيق المالي الجنائي، وترسيم الحدود البحرية للمباشرة في وضع مشاريع التنقيب عن الغاز والنفط موضع التنفيذ، ناهيك عن مسألة إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، مع التأكيد أيضاً على وجوب عدم المس بصلاحيات الرئيس المتبقية والتي لم تعد كثيرة بالأصل، وباتت محصورة في عدد قليل من المسائل ومن بينها التوقيع على التشكيلة الحكومية بالاشتراك مع رئيس الحكومة المكلف.
ومع التقاء الرجلين على ضرورة التشكيل والسرعة في هذا المسار، كانت الأسئلة تزداد حول سبب حرب المستشارين التي اندلعت لساعات قبل العمل على تطويقها، وعمّا إذا كان الهدف منها إظهار كل طرف من الطرفين بأنه على استعداد للحفاظ على الصلاحيات المناطة بالموقع الذي يشغله، فسألت مصادر السراي الكبير عمّن سرّب اللائحة إلى الإعلاميين عصراً، بخط اليد مع الإشارات التي لم تكن عليها عند تسلميها؟ فيما سألت مصادر بعبدا عمن سرّب معلومات عن التشكيلة لإحدى المحطات التلفزيونيّة باكراً، مذكّرة بأن رئاسة الجمهورية عانت من لعبة التسريبات إبّان تكليف النائب السابق سعد الحريري تشكيل الحكومة، وأنها عانت ما عانته في هذا السياق لجهة تهميش دور الرئاسة والرئيس في هذا المجال، وعمّا إذا كان الهدف من تسليم تشكيلة حكومية من دون تشاور أو فتح خطوط تواصل مع عون يصب في هذا السياق أيضاً؟
إنها لعبة الصلاحيات التي يختبئ خلفها كل طرف عند الحاجة إليها، بينما من المفترض أن يكون الاهتمام بالصلاحيات التي يجب أن تعطى للناس كي يتمكنوا من أن يؤمنوا لقمة عيش كريمة لهم ولعائلاتهم، وبالإصلاحات التي يجب إعطاؤها للبلد للنهوض من أزمته الكارثية التي يعيشها.

alafdal-news
