جورج شاهين- الجمهورية
فاجَأ الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي اللبنانيين بالإعلان عن تقديمه تشكيلته الحكومية الأولى إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في أول لقاء بينهما أعقَب الاستشارات النيابية غير الملزمة التي أنهاها قبل أقل من 16 ساعة من مبادرته. وأيّاً كانت المفاجأة التي أحدثتها الخطوة فإنّ المنخرطين في عملية التأليف كانوا على علم بالموعد المحدد لفك «صاعق التشكيل» كما نقل عن أحدهم. وعليه ما هو المتوقع في الساعات المقبلة؟
بأسرع ما يمكن أن يتوقع أحد «طَحش» ميقاتي بتقديم تشكيلته الحكومية الاولى لعون ملتزماً النص الدستوري الذي يحصر عملية التأليف بالرئيس المكلف بتشكيلها بالتعاون مع رئيس الجمهورية الذي يسمّيه بمرسوم خاص، ليصدرا معاً مراسيم تشكيلها وتسمية الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة في مرحلة اختلط فيها ما تمّ التفاهم عليه في الكواليس السياسية قبل الاستشارات وخلاها وبقليل من الوقت من بعدها.
فقد كان ثابتاً أنّ الرئيس المكلف لم يكن ينتظر الاستشارات غير الملزمة التي أجراها على مدى يومين في ساحة النجمة لتقديم الصيغة الحكومية لرئيس الجمهورية، إذ حفلت الايام الماضية بكثير من الاتصالات التي لامَست التشكيلة الجديدة على قاعدة الاحتفاظ بعدد من الوزراء في حكومة تصريف الأعمال على خلفية أمرين مهمين أخذ بهما جميع الأطراف بكثير من الجدية والتي يمكن الإشارة اليهما بالآتي:
الأول قال إنّ الحكومة التي شكلت في 10 أيلول العام الماضي ولم تُنه بعد سنتها الأولى ولدت في ظروف مشابهة لتلك التي تعيشها البلاد اليوم، خصوصاً على مستوى التوازنات الداخلية التي تضمن الاحتفاظ بما أمسكت به المنظومة من قبل لا ترغب بتغيير «قواعد الاشتباك» فيما بينها، بينما يعتقد كثر أنّ فيها ما يضمن الحد الأدنى من الخسائر التي أصابت البعض في الاستحقاقات التي عبرت حتى اليوم.
- الثاني، إنّ معظم ما هو مطلوب من الحكومة العتيدة إذا شكّلت، ما زال يختصر بمضمون البيان الوزاري الذي أعدّته حكومة تصريف الأعمال. وبمعزل عمّا تم تجاهله مما قال به البيان، سواء لجهة العجز عن تحقيق بعض الخطوات المتصلة بضمان ضبط الحدود البرية واجراء الاصلاحات الكبرى الضرورية، فقد أرسَت الحكومة مخارج ممكنة لبعض الملفات ومنها ما يتصل بالخطة الاقتصادية للتعافي والإنقاذ والتي ترجَمَ جزءا منها الاتفاق على مستوى الموظفين بين لبنان وصندوق النقد الدولي، كما بالنسبة إلى الموازنة العامة لسنة 2022 والتي ستكون حاضرة مادة أساسية على طاولة لجنة المال والموازنة من اليوم.
وإن أخذ بعض طبّاخي التشكيلة الحكومية بمنطق أنّ «الضرورات تبيح المحظورات» فقد كان من الأسهل على من ساهم في توليد الصيغة الحكومية الجديدة التي رفعها ميقاتي إلى رئيس الجمهورية أمس، أن تنطلق من تركيبة حكومة تصريف الأعمال سعياً الى الحد الأدنى من الاستقرار الحكومي بعد إجراء التعديلات المرغوب بها من أكثر من طرف في شأن تغيير بعض الأسماء من دون المَس بتوزيعة الحقائب الأساسية وتركيبتها الحالية، وتحديداً بما يتصل بتلك التي كانت موضع نزاع في الفترة الاخيرة، خصوصاً إن رغب البعض في إجراء التعديلات بتغيير هذا أو ذاك من المحسوبين عليه.
على هذه الخلفيات، فشلت مساعي السّاعين إلى سبر أغوار التشكيلة الميقاتية الأولى في الوصول إلى ما أرادوه، لعلمهم أنّ ما أسقط من الأسماء على بعض الحقائب في الساعات القليلة الماضية بقي محصوراً بالفريق اللصيق بالرئيس المكلف ولم يتمكن أحد من الاطلاع على تفاصيلها بعد. فقد كان واضحاً أنّ ميقاتي طلب من فريق عمله تجنّب الدخول في أي تفاصيل حول الأسماء المطروحة لتعديل التغيير والبدائل منها. ليس خوفاً مما هو مطروح ولكن من باب أنّ «على رئيس الحكومة، الذي يعطي في الشكل أهمية لمضمون النص الدستوري الذي يحدد دوره في عملية التأليف، أن ينتظر موقف رئيس الجمهورية ممّا تقدم به فهو المرجع الدستوري الوحيد الذي يمكنه أن يكون له رأي في ما هو مطروح».
وانطلاقاً من هذه النظرية، لم يعد مهماً الغَوص في كثير ممّا جاء في التشكيلة المقترحة، فالعناوين الرئيسة واضحة ومحصورة بالحقائب التي أثارت الخلافات الأخيرة التي حالت دون أي إنجاز في أيّ قطاع، ومنها ما عبّر عنه ميقاتي بصراحة ووضوح عندما تناول مشكلة وزارة الطاقة ليعبّر بطريقة سافرة وواضحة بأنه لن يقبل أن يكون وليد فياض في تشكيلته الجديدة كما بالنسبة إلى وزير الاقتصاد أمين سلام بفوارق أساسية مختلفة. فهو الذي سُمي على خلفية «التفاهم بين الصهرين»، وهما صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل من جهة وصهر شقيق رئيس الحكومة مصطفى سميح الصلح من جهة أخرى. فالمستهدف كان «ثالث الأصدقاء». ولذلك فإنّ «جريمته» أكبر من غيره عندما قدّم نفسه مرشّحاً لتشكيل الحكومة الجديدة في عز معركة البحث عنه. وهي «دعسة ناقصة» وَسّعت من الهوة بينه وبين باسيل والصلح فالتقيا على محاسبته وإبعاده بمعزل عن حجم فشله في مواجهة الشؤون المتعلقة بدور وزير الاقتصاد وصلاحياته. فمَن سبقه إلى هذه المهمة من أصدقاء باسيل وغيره لم يكن موفقاً أبداً. لا بل فقد استجرّ الجميع ذيل العجز والخيبة في تحقيق أي انجاز بعدما رفعت الأزمات المالية النقدية من حجم التحديات والمصاعب التي حالت وتحول دون أي إنجاز في وزارة الاقتصاد كما في المجالات المعيشية التي لامست هموم اللبنانيين اليومية.
وإن لامست التشكيلة الجديدة موقع أحد الوزيرين الدرزيين بتبديل اسم وزير شؤون المهجرين عصام شرف الدين لن يكون له أي ردات فعل مهمة. وقد يأتي التبديل منطقياً بعد أن خسر مَن سمّاه موقعه النيابي بنحو دراماتيكي سمح باستعادة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أحادية التمثيل الدرزي ولا بد من ترجمته حكومياً. وإن طالت التغييرات وزارة الخارجية فقد يكون الأمر أكثر تعقيداً، فمن لديهم الملاحظات الكبرى على أداء عبدالله بوحبيب في الانتخابات النيابية في بلاد الانتشار ليس لديهم أي طموح للدخول في الحكومة العتيدة وإن طاوَلته التغييرات لأسباب أخرى فهي لن تغير في المعادلات السياسية الداخلية بمقدار ما تنعكس على علاقات لبنان الدولية والعربية التي بدأت تستعيد حجماً متواضعاً مما كانت عليه من قبل أن تكون في عهدة أسلافه، باستثناء الوزير السابق ناصيف حتي الذي سجّل موقفا رافضاً لأيّ محاولة لإدارة الوزارة بـ "الواتس آب".
وتأسيساً على ما تقدّم، لا يبدو من الأجواء التي تلت خطوة ميقاتي الحكومية أنها ستكون سهلة، فتاريخ العجائب غاب عن أذهان اللبنانيين منذ فترة، ولكن على من يراقب أن يعتقد أنّ عملية التأليف هذه إن اكتملت فصولها كما أرادها ميقاتي ستقضي على آخر الآمال في أي تغيير مُحتمل منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، بعدما قدّم المعارضون والتغييريون الهدايا إلى المنظومة على أطباق من الفضة إن لم يكن جانباً منها من الذهب.

alafdal-news
