ليليان حمزة - خاص الأفضل نيوز
ما لبث أن ختم لبنان استحقاقه الإنتخابي بمفاجآت و"همروجة" تكلّلت بفوز نواب جدد ينضوون تحت مظلّة ما سمي بالمستقلين الخارجين عن إطار الأحزاب التّقليديّة أسقطوا شخصيات شاركت في الحكم منذ الطائف- منهم تغييريين بالفعل انبثقوا من رحم ثورة 17 تشرين التي عبّرت عن وجع الشّعب اللبناني ومعاناته، ومنهم من تبيّن بعد الإنتخابات أنهم مدوعومون فعلاً من السّفارات وساعدتهم قوى السّلطة الفاسدة التي تعتبر نفسها في صف المعارضة إلى الوصول، حتى جاءه استحقاق داهمٌ لا مفرّ منه وقد بات أمرًا واقعًا بفعل المتغيّرات الإقليميّة والدّوليّة ورسم خارطة النّفوذ الدّولي وهو استخراج الثّروة النّفطية وترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي المحتلّ لأرض فلسطين والطّامع بغاز لبنان ونفطه منذ قيامه كقاعدة عسكريّة تنفّذ أجندات الغرب التوسعيّة.
لبنان هذه البقعة الجغرافية الصّغيرة بحجمها والكبيرة بتأثيرها والتي يرغب النّظام العالمي أن تكون نقطة حياد منزوعة السّلاح وخاضعة لشروط قاسية في أكثر الظّروف ظلاميّةً وخرابًا في تاريخ البلد من فراغ سياسي ومؤسّساتي وانهيار اقتصادي. وعلى الرغم من نكبة هذا البلد، إلا أنه مركز جذب للإنتهازيّة الرأسمالية وللمشاريع الإستعماريّة الخبيثة بأدوات إقتصاديّة تجويعية يليها الوصول إلى أهداف تصبّ في خدمة الدّول العظمى. ويبقى السّؤال لماذا؟ وما هي العقدة الأساسيّة في هذا المحيط الجغرافي الذي يجعل هذه الأزمات متتاليةً ونارها متوهّجة على الدّوام في المشرق العربي؟
الواضح والصّريح هنا أن لبنان لم يعترف يومًا بالكيان الإسرائيلي، ولم يرسّم حدوده البحرية مع فلسطين المحتلّة، ولم يكن الترسيم مهمًّا حتى اكتشاف الثروة النفطية تحت مياه البحر المتوسط وبات الأمر ملحًّا محليًّا ودوليًّا بعد الحرب الروسية الأوكرانية واندلاع أزمة الغاز، فضلاً عن رغبة الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي في تقليص اعتمادهم على الغاز الروسي والذي لا يمكن أن يحصُل إلا من خلال تأمين بدائل، وقد وقعت الأنظار على منطقة شرق المتوسط التي تعتبر ثروتها النفطية هائلة.
ويمكن الإستناد إلى أرقام قدّمها خبراء ومنهم الجيولوجي ووزير البترول المصري السابق أسامة كمال، إذ قدّر ثروة الغاز بحوالى 230 تريليون قدم مكعّب في شرق البحر المتوسط وحوالى 300 تريليون قدم مكعّب في وسط وغرب البحر. أضف إلى أن الكميات كبيرة، فقد حاز الموقع الجغرافي القريب من القارة الأوروبية اهتمامًا كبيرًا لحلّ الأزمة الرّاهنة.
ومن هذا المنطلق، شرعت دول شرق المتوسط في مسار سعيها للإستفادة من ثرواتها، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال ترسيم الحدود مع الدّول المجاورة لها. وإذا أرادت الإستخراج، عليها الاستعانة بشركات دولية التي لا يمكن أن تتكبّد نفقات بملايين الدولارات في عملية الإستكشاف ثم التنقيب في حال وجود نزاع أو حروب بين الدول المجاورة.
إستهلّ العدو الإسرائيلي التّنقيب مبكرًا في حقلي "تامار" و"ليفياثان" المكتشفين آنفًا والذين حوّلا "إسرائيل" من مرحلة الإستيراد إلى تصدير الغاز، وها هي تطمح للإستيلاء على المزيد من الحقول التي اكتشفت لاحقًا على غرار "كاريش" نقطة النزاع مع لبنان. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حقل كاريش يحوي على حقلين غنيين جدًا في الغاز: حقل شمال الخط 29 وآخر يمتد من جنوب حتّى شمال الخط، ولكن الغريب في الأمر أن الخط اللبناني يطرح تساؤلات حول تعرّجه حتّى رأس الناقورة.
أما بما يتعلّق بالدّولة اللبنانية، فقد بدأت في العام 2013 بمخاطبة الشركات الدولية، وفي العام 2018 بدأ أول استدراج للعروض على ثلاث شركات ، وفي العام 2020 بيّنت الإكتشافات أن الكنز العائم قد يعود بأرباح إلى لبنان تصل في الحد الأدنى إلى 200 مليار دولار من الغاز والبترول في قعر البحر.
إنطلقت المفاوضات غير المباشرة منذ العام 2010 وأرسلت واشنطن وسيطها فريدريك هوف لغاية العام 2012 فوجد أن الموقفين اللبناني والاسرائيلي مختلفان، كون الكيان "الإسرائيلي" يريد الاستيلاء على ما ليس له ولبنان عاجز على اكتشاف ما يملكه أو التّنقيب عنه بسبب الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة والدول الغربية على استكشاف لبنان لأي من ثرواته دون التفاوض مع الاسرائيلي، وأجبرتا الشركات الأجنبية على عدم القبول بالتلزيم، إضافةً إلى ذلك تمنع أميركا عمليّة استجرار الغاز من مصر إلى لبنان شريطة رضوخ اللبنانيين للشروط الأميركية وصندوق النقد الدولي، وكل هذه الضغوط تهدف الى تركيع لبنان وإخضاعه لعملية السلام مع "إسرائيل".
مرّت السنين وتجمّدت المفاوضات حتّى العام 2020 وأرسلت واشنطن وسيطًا آخر آموس هوكشتاين (يحمل الجنسية الأميركية لكنّه في الواقع اسرائيلي، ولد في الأراضي المحتلّة وخدم في جيشها في التسعينات حسب ما ذكرت الصحف الأميركية) ليدير المفاوضات لكنّها تعثرت في 2021 لنفس الأسباب.
آموس كان له تصوّر لاستغلال المنطقة بحيث أن البلدين يتقاسمان الثّروة النّفطيّة، لكن رفض لبنان ورفض كيان العدو، لأن الأخير طامع بمساحة أكبر من تلك التي يعتبرها لبنان له.
وقد رفع لبنان موقفه التفاوضي، عندما اعتبر خبراء الجيش اللبناني عام 2019 أن الخط الفاصل بينه وبين الكيان المحتل يقع على الخط 29، ولقي هذا المطلب دعمًا من رئيس الجمهوريّة آنذاك لكنه عاد وتراجع، وقد يكون ذلك خوفًا من عقوبات أميركية على الوزير جبران باسيل، علمًا أن الجيش اللبناني ينطلق من أدلّة وخرائط تثبت أن حق لبنان أكبر بكثير ممّا تحدّده "إسرائيل" وهوكشتاين.
بيد أنه بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000 وعقب ردّ المقاومة المستبسل على العدوان الإسرائيلي عام 2006 واستشهاد الآلاف من المقاومين على مذبح الوطن، مُني لبنان بمصيبة وخطأ قاتل اقترفه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بتنازله طوعًا عن 850 كلم2 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة في المياه الاقليمية عندما وقّع مع قبرص اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في العام 2007، واعتمد الخط اللبناني عند "النقطة 1" كأقصى النقاط الجنوبية لحدوده البحرية مع قبرص. يومذاك بخساً باع السنيورة حقّ لبنان وانتهك الأصول الدستورية. لاحقًا، قدّم لبنان اعتراضه إلى الأمم المتحدة، مع إصرار على أن تكون نقطة التقاطع الحقيقية بين البلدان الثلاثة تقع على بعد عدة كيلومترات إلى الجنوب فيما يُعرف باسم "النقطة 23"، وقدم الأوراق الداعمة. لكن بالطّبع لن يعطي العدو الإسرائيلي" ما وصله على طبق من فضّة دون عناء أو حروب، بواسطة السّنيورة، علمًا أنه في الأساس رسّم حدوده ضمنًا على أساس الخط 23 .
واليوم، لم يستشرس رئيس الجمهورية ميشال عون ولا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ولا رئيس مجلس النواب نبيه بري في المطالبة بحق لبنان ولم يبادروا بإيداع المرسوم الحكومي لتعديل الحدود البحرية واعتماد الخط 29 المدعوم تقنياً وقانونياً بدلاً من الخط 23، والذي من خلاله يمكن أن يضيف لبنان 1430 كيلومترًا مربعًا على المساحة 860 كم التي كانت ضمن الخط 23 ويعطي لبنان الأحقيّة في التّفاوض على حقل كاريش، بل رضخوا للتحكيم والإملاء الأميركي. ببساطة، أوقعتنا بهلوانيات السياسة اللبنانية ومصالح أولي الأمرمع الخارج في فخ قد لا نخرج منه دون دفع أثمان موجعة.
تعثرت المفاوضات مرة أخرى. أموس هوكشتاين غاب ولم يعد. تلقّى رسالة لبنان وموقفه، وعوضًا عن الذهاب إلى الأراضي المحتلّة لإيصالها، غادر إلى بلاده تاركًا لبنان عالقًا في المجهول. ممّا لا شك فيه أن المفاوضات عادةً تكون شاقّة، لكنها الأصعب على الإطلاق بين لبنان والعدو الإسرائيلي بوساطة أميركية منحازة للطرف الإسرائيلي، مما يجعل نتائجها مفتوحة على احتمالات عدّة وإحدى أبرزها هو الردّ العسكري على انتهاك الحق اللبناني.
وتكمن المعضلة في أنّه بتاريخ 5 حزيران 2022 وتزامنًا مع ذكرى الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلاله من الجنوب إلى بيروت، قدمت السفينة البريطانية- اليونانية العائمة لاستخراج الغاز وتخزينه وتفريغه (Energean Power FPSO Floating Production Storage and Offloading ) من آبار حقل كاريش، في خطوة تعتبر اعتداء صارخًا على لبنان استفزازًا له. وقد أطلّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قائلاً إنّه خلف الدّولة في مفاوضاتها، لكن الخطر المحدق بلبنان أن يتم إلهاءه بمسألة المفاوضات في حين يكون العدو قد استخرج النفط وصدّره، وعندما يُعطى لبنان الضّوء الأخضر بالإستخراج بعد مماطلة سنوات، لن يجد إلا الفتات أو لن يجد شيئًا، وبالتّالي المقاومة موجودة وجاهزة للرد.
بناءً على ذلك، المرحلة القادمة حامية في خضم الحرب المشتعلة بين حلف شمالي الأطلسي والصين وروسيا وتداعياتها على المنطقة العربية وخاصةً لبنان والحاجة الملحّة لاستخراج الغاز واستجراره إلى أوروبا؛ لذلك، المقاومة في لبنان أمام استحقاق وجودي لأنه إذا ما قامت بأي ردّ على سرقة غاز لبنان، ستفقد مشروعيتها وسط تعبئة ضدّها ونقمة شعبيّة كبيرة عليها، على اعتبار أنها لم تواجه طبقة الفاسدين الحاكمة في البلاد. غير أن ما يعجز كثيرون عن قراءته هو أنّ متغيّرات مفصليّة تحصل في محور المقاومة من ناحية تماسكه وتظافر قوّته العسكريّة وتنسيقه الكامل بشأن أي مواجهة قد تنشب مع العدو الإسرائيلي، تزامنًا مع موجة تهديدات واسعة من قادة العدو ومنهم وزير الحرب الاسرائيلي بيني غانتس بإعادة اجتياح لبنان حتى الوصول إلى بيروت، لكنهم تجاهلوا حتميّة أن المقاومة ستدمّر كلّ القوّة التي ستطأ قدمها التراب اللبناني وأن "إسرائيل" ستكون تحت مرمى آلاف الصّواريخ يوميًّا. فهل سيكون الصيف ساخنًا ملتهبًا والحرب قريبة؟ نعم، الإحتمال وارد.

alafdal-news
